< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah022
Al-Hajj (22)
The Pilgrimage, madinah, 78 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
ذَلِكَ اليَوْمِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ إنَّما تَكُونُ قَبْلَ البَعْثِ، قالَ الحَسَنُ: تَذْهَلُ المُرْضِعَةُ عَنْ ولَدِها بِغَيْرِ فِطامٍ وألْقَتِ الحَوامِلُ ما في بُطُونِها لِغَيْرِ تَمامٍ، وقالَ القَفّالُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: مَن ماتَتْ حامِلًا أوْ مُرْضِعَةً تُبْعَثُ حامِلًا أوْ مُرْضِعَةً تَضَعُ حَمْلَها مِنَ الفَزَعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذُهُولِ المُرْضِعَةِ ووَضْعِ الحَمْلِ عَلى جِهَةِ المَثَلِ كَما قَدْ تَأوَّلَ قَوْلُهُ:﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ .
* * *
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وتَرى النّاسَ سُكارى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قُرِئَ“ وتُرى " بِالضَّمِّ، تَقُولُ: أُرِيتُكَ قائِمًا أوْ رَأيْتُكَ قائِمًا، والنّاسَ بِالنَّصْبِ والرَّفْعِ، أمّا النَّصْبُ فَظاهِرٌ، وأمّا الرَّفْعُ فَلِأنَّهُ جَعَلَ النّاسَ اسْمَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وأنَّثَهُ عَلى تَأْوِيلِ الجَماعَةِ، وقُرِئَ سَكْرى وسُكارى، وهو نَظِيرُ جَوْعى وعَطْشى في جَوْعانَ وعَطْشانَ، سَكارى وسُكارى نَحْوُ كَسالى وعُجالى، وعَنِ الأعْمَشِ: سَكْرى وسُكْرى بِالضَّمِّ وهو غَرِيبٌ.المسألة الثّانِيَةُ: المَعْنى وتَراهم سُكارى عَلى التَّشْبِيهِ ﴿وما هم بِسُكارى﴾ عَلى التَّحْقِيقِ، ولَكِنْ ما أرْهَقَهم مِن هَوْلِ عَذابِ اللَّهِ تَعالى هو الَّذِي أذْهَبَ عُقُولَهم وطَيَّرَ تَمْيِيزَهم، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: ونَراهم سُكارى مِنَ الخَوْفِ وما هم بِسُكارى مِنَ الشَّرابِ، فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قِيلَ أوَّلًا تَرَوْنَ، ثُمَّ قِيلَ: تَرى عَلى الإفْرادِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الرُّؤْيَةَ أوَّلًا عُلِّقَتْ بِالزَّلْزَلَةِ، فَجُعِلَ النّاسُ جَمِيعًا رائِينَ لَها، وهي مُعَلَّقَةٌ آخِرًا بِكَوْنِ النّاسِ عَلى حالٍ مِنَ السُّكْرِ، فَلا بُدَّ وأنْ يُجْعَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم رائِيًا لِسائِرِهِمْ.
المسألة الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: أتَقُولُونَ إنَّ شِدَّةَ ذَلِكَ اليَوْمِ تَحْصُلُ لِكُلِّ أحَدٍ أوْ لِأهْلِ النّارِ خاصَّةً ؟ قُلْنا: قالَ قَوْمٌ: إنَّ الفَزَعَ الأكْبَرَ وغَيْرَهُ يَخْتَصُّ بِأهْلِ النّارِ، وإنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُحْشَرُونَ وهم آمِنُونَ. وقِيلَ: بَلْ يَحْصُلُ لِلْكُلِّ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقٌّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٦
المسألة الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهانِ:الأوَّلُ: أخْبَرَ تَعالى فِيما تَقَدَّمَ عَنْ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ وشِدَّتِها، ودَعا النّاسَ إلى تَقْوى اللَّهِ. ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْمًا مِنَ النّاسِ الَّذِينَ ذُكِرُوا في الأوَّلِ. وأخْبَرَ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ مَعَ هَذا التَّحْذِيرِ الشَّدِيدِ بِذِكْرِ زَلْزَلَةِ السّاعَةِ وشَدائِدِها، فَإنَّ مِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، ثُمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ البَعْثَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾[يس: ٧٧] إلى آخِرِ الآيَةِ. وأيْضًا فَإنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وصْفُ البَعْثِ، وما بَعْدَها في الدَّلالَةِ عَلى البَعْثِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ المُجادَلَةِ هو المُجادَلَةَ في البَعْثِ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، كانَ يُكَذِّبُ بِالقُرْآنِ ويَزْعُمُ أنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ويَقُولُ: ما يَأْتِيكم بِهِ مُحَمَّدٌ كَما كُنْتُ أُحَدِّثُكم بِهِ عَنِ القُرُونِ الماضِيَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
المسألة الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ بِمَفْهُومِها تَدُلُّ عَلى جَوازِ المُجادَلَةِ الحَقَّةِ، لِأنَّ تَخْصِيصَ المُجادَلَةِ مَعَ عَدَمِ العِلْمِ بِالدَّلائِلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُجادَلَةَ مَعَ العِلْمِ جائِزَةٌ، فالمُجادَلَةُ الباطِلَةُ هي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾[الزخرف: ٥٨]، والمُجادَلَةُ الحَقَّةُ هي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾[النحل: ١٢٥] .
المسألة الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ شَياطِينَ الإنْسِ وهم