< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


قال:“ إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ ”، فَكَبَّرُوا وحَمِدُوا اللَّهَ، ثم قال:“ إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا ثُلُثَيْ أهْلِ الجَنَّةِ، إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ صَفًّا ثَمانُونَ مِنها [ مِن ] أُمَّتِي وما المُسْلِمُونَ في الكُفّارِ إلّا كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ أوْ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في الثَّوْرِ الأسْوَدِ ”، ثم قال:“ ويَدْخُلُ مِن أُمَّتِي سَبْعُونَ ألْفًا إلى الجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسابٍ ”، فَقالَ عُمَرُ: سَبْعُونَ ألْفًا ؟ قالَ:“ نَعَمْ ومَعَ كُلِّ واحِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا ”فَقامَ عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي مِنهم، فَقالَ:“ أنْتَ مِنهم ”، فَقامَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَقالَ مِثْلَ قَوْلِهِ، فَقالَ:“ سَبَقَكَ بِها عُكّاشَةُ ”فَخاضَ النّاسُ في السَّبْعِينَ ألْفًا، فَقالَ بَعْضُهم: هُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا عَلى الإسْلامِ، وقالَ بَعْضُهم: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وجاهَدُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِما قالُوا، فَقالَ:“ هُمُ الَّذِينَ لا يَكْتَوُونَ ولا يَكْوُونَ، ولا يَسْتَرْقُونَ ولا يَتَطَيَّرُونَ، وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ”» .

المسألة الرّابِعَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ النّاسَ بِالتَّقْوى ثُمَّ عَلَّلَ وُجُوبَها عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ السّاعَةِ ووَصَفَها بِأهْوَلِ صِفَةٍ، والمَعْنى أنَّ التَّقْوى تَقْتَضِي دَفْعَ مِثْلِ هَذا الضَّرَرِ العَظِيمِ عَنِ النَّفْسِ، ودَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ مَعْلُومُ الوُجُوبِ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ التَّقْوى واجِبَةً.

* * *

المسألة الخامِسَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ وصَفَها بِأنَّها شَيْءٌ مَعَ أنَّها مَعْدُومَةٌ، واحْتَجُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[البقرة: ٢٠] فالشَّيْءُ الَّذِي قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ إمّا أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا أوْ مَعْدُومًا، والأوَّلُ مُحالٌ وإلّا لَزِمَ كَوْنُ القادِرِ قادِرًا عَلى إيجادِ المَوْجُودِ، وإذا بَطَلَ هَذا ثَبَتَ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَعْدُومٌ فالمَعْدُومُ شَيْءٌ. واحْتَجُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾[الكهف: ٢٣] أطْلَقَ اسْمَ الشَّيْءِ في الحالِ عَلى ما يَصِيرُ مَفْعُولًا غَدًا، والَّذِي يَصِيرُ مَفْعُولًا غَدًا يَكُونُ مَعْدُومًا في الحالِ، فالمَعْدُومُ شَيْءٌ واللَّهُ أعْلَمُ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الزَّلْزَلَةَ عِبارَةٌ عَنِ الأجْسامِ المُتَحَرِّكَةِ وهي جَواهِرُ قامَتْ بِها أعْراضٌ، وتَحَقُّقُ ذَلِكَ في المَعْدُومِ مُحالٌ، فالزَّلْزَلَةُ يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ شَيْئًا حالَ عَدَمِها، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ بِالِاتِّفاقِ. ويَكُونُ المَعْنى أنَّها إذا وُجِدَتْ صارَتْ شَيْئًا، وهَذا هو الجَوابُ عَنِ البَواقِي.

المسألة السّادِسَةُ: وصَفَ اللَّهُ تَعالى الزَّلْزَلَةَ بِالعَظِيمِ ولا عَظِيمَ أعْظَمُ مِمّا عَظَّمَهُ اللَّهُ تَعالى.

* * *

أمّا قَوْلُهُ

صفحة ٥

تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها﴾ فَهو مَنصُوبٌ بِتَذْهَلُ، أيْ تَذْهَلُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، والضَّمِيرُ في تَرَوْنَها يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى الزَّلْزَلَةِ وأنْ يَرْجِعَ إلى السّاعَةِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِما، والأقْرَبُ رُجُوعُهُ إلى الزَّلْزَلَةِ؛ لِأنَّ مُشاهَدَتَها هي الَّتِي تُوجِبُ الخَوْفَ الشَّدِيدَ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ مِن أهْوالِ ذَلِكَ اليَوْمِ أُمُورًا ثَلاثَةً.

أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ أيْ تُذْهِلُها الزَّلْزَلَةُ، والذُّهُولُ الذَّهابُ عَنِ الأمْرِ مَعَ دَهْشَةٍ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ مُرْضِعَةٍ دُونَ مُرْضِعٍ ؟ قُلْتُ: المُرْضِعَةُ هي الَّتِي في حالِ الإرْضاعِ وهي مُلْقِمَةٌ ثَدْيَها الصَّبِيَّ، والمُرْضِعُ شَأْنُها أنْ تُرْضِعَ، وإنْ لَمْ تُباشِرِ الإرْضاعَ في حالِ وصْفِها بِهِ، فَقِيلَ: مُرْضِعَةٌ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الهَوْلَ إذا فُوجِئَتْ بِهِ هَذِهِ وقَدْ ألْقَمَتِ الرَّضِيعَ ثَدْيَها نَزَعَتْهُ مِن فِيهِ لِما يَلْحَقُها مِنَ الدَّهْشَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَمّا أرْضَعَتْ﴾ أيْ عَنْ إرْضاعِها أوْ عَنِ الَّذِي أرْضَعَتْهُ، وهو الطِّفْلُ فَتَكُونُ ما بِمَعْنى مَن عَلى هَذا التَّأْوِيلِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾والمَعْنى أنَّها تُسْقِطُ ولَدَها لِتَمامٍ أوْ لِغَيْرِ تَمامٍ مِن هَوْلِ