< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah019
Maryam (19)
Mary, makkah, 98 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
عَلَيْهِ مِن رَفْعِ الصَّوْتِ إلّا أنَّ الصَّوْتَ كانَ ضَعِيفًا لِنِهايَةِ الضَّعْفِ بِسَبَبِ الكِبَرِ؛ فَكانَ نِداءً نَظَرًا إلى قَصْدِهِ، وخَفِيًّا نَظَرًا إلى الواقِعِ.
الثّانِي: أنَّهُ دَعا في الصَّلاةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَهُ في الصَّلاةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣٩) فَكَوْنُ الإجابَةِ في الصَّلاةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الدُّعاءِ في الصَّلاةِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ النِّداءُ فِيها خَفِيًّا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾
القِراءَةُ فِيها مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ﴿وهَنَ﴾ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إدْغامُ السِّينِ في الشِّينِ (مِنَ الرَّأْسِ شَيْبًا) عَنْ أبِي عَمْرٍو.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وعَنِ الزُّهْرِيِّ بِإسْكانِ الياءِ مِنَ المَوالِي وقَرَأ عُثْمانُ
صفحة ١٥٤
وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ عَبّاسٍ: خَفَّتِ بِفَتْحِ الخاءِ والفاءِ مُشَدَّدَةً وكَسْرِ التّاءِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ:أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ورائِي بِمَعْنى بَعْدِي، والمَعْنى أنَّهم قَلُّوا وعَجَزُوا عَنْ إقامَةِ الدِّينِ بَعْدَهُ؛ فَسَألَ رَبَّهُ تَقْوِيَتَهم بِوَلِيٍّ يُرْزَقُهُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى قُدّامِي والمَعْنى أنَّهم خَفُّوا قُدّامَهُ ودَرَجُوا ولَمْ يَبْقَ مَن بِهِ تَقَوٍّ واعْتِضادٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ: ﴿مِن ورائِي﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وعَنْ حُمَيْدِ بْنِ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ لَكِنْ بِفَتْحِ الياءِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (ورايَ) كَعَصايَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في يَرِثُنِي ويَرِثُ وُجُوهٌ:
أحَدُها: القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ بِالرَّفْعِ فِيهِما صِفَةً.
وثانِيها: وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ والزُّهْرِيِّ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ بِالجَزْمِ فِيهِما جَوابًا لِلدُّعاءِ.
وثالِثُها: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وابْنِ عَبّاسٍ وجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ: (ولِيًّا يَرِثْنِي) جُزِمَ، وارِثٌ بِوَزْنِ فاعِلٍ.
ورابِعُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (يَرِثُنِي) وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ.
وخامِسُها: عَنِ الجَحْدَرِيِّ (ويَرِثُ) تَصْغِيرُ وارِثٍ عَلى وزْنِ أُفَيْعَلٍ (اللُّغَةُ) الوَهْنُ ضَعْفُ القُوَّةِ، قالَ في ”الكَشّافِ“ شَبَّهَ الشَّيْبَ بِشُواظِ النّارِ في بَياضِهِ وإنارَتِهِ وانْتِشارِهِ في الشَّعْرِ وفُشُوِّهِ فِيهِ، وأخْذِهِ كُلَّ مَأْخَذٍ كاشْتِعالِ النّارِ ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ، ثُمَّ أسْنَدَ الِاشْتِعالَ إلى مَكانِ الشَّعْرِ ومَنبَتِهِ وهو الرَّأْسُ، وأخْرَجَ الشَّيْبَ مُمَيَّزًا ولَمْ يُضِفِ الرَّأْسَ اكْتِفاءً بِعِلْمِ المُخاطَبِ أنَّهُ رَأْسُ زَكَرِيّا، فَمِن ثَمَّ فَصُحَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ، وأمّا الدُّعاءُ فَطَلَبُ الفِعْلِ ومُقابِلُهُ الإجابَةِ، كَما أنَّ مُقابِلَ الأمْرِ الطّاعَةُ، وأمّا أصْلُ التَّرْكِيبِ في (ولِيٍّ) فَيَدُلُّ عَلى مَعْنى القُرْبِ والدُّنُوِّ؛ يُقالُ: ولَيْتُهُ ألِيهِ ولْيًا أيْ دَنَوْتُ، وأوْلَيْتُهُ أدْنَيْتُهُ مِنهُ وتَباعَدَ ما بَعْدَهُ ووَلِيَ ومِنهُ قَوْلُ ساعِدَةَ [ابْنِ جُؤَيَّةَ]:
وعَدَتْ عَوادٍ دُونَ ولْيِكَ تَشْغَبُ
وكُلْ مِمّا يَلِيكَ، وجَلَسْتُ مِمّا يَلِيهِ، ومِنهُ الوَلْيُ وهو المَطَرُ الَّذِي يَلِي الوَسْمِيَّ، والوَلِيَّةُ البَرْذَعَةُ؛ لِأنَّها تَلِي ظَهْرَ الدّابَّةِ، ووَلِيَ اليَتِيمَ والقَتِيلَ، ووَلِيَ البَلَدَ لِأنَّ مَن تَوَلّى أمْرًا؛ فَقَدْ قَرُبَ مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾مِن قَوْلِهِمْ ولاهُ بِرُكْنِهِ أيْ جَعَلَهُ مِمّا يَلِيهِ، أمّا ولّى عَنِّي إذا أدْبَرَ؛ فَهو مِن بابِ تَثْقِيلِ الحَشْوِ لِلسَّلْبِ، وقَوْلُهم: فُلانٌ أوْلى مِن فُلانٍ أيْ أحَقُّ، أفْعَلُ التَّفْضِيلِ مِنَ الوالِي أوِ الوَلِيِّ كالأدْنى والأقْرَبِ مِنَ الدّانِي والقَرِيبِ، وفِيهِ مَعْنى القُرْبِ أيْضًا؛ لِأنَّ مَن كانَ أحَقَّ بِالشَّيْءِ؛ كانَ أقْرَبَ إلَيْهِ، والمَوْلى اسْمٌ لِمَوْضِعِ الوَلِيِّ كالمَرْمى والمَبْنى اسْمٌ لِمَوْضِعِ الرَّمْيِ والبِناءِ، وأمّا العاقِرُ فَهي الَّتِي لا تَلِدُ، والعَقْرُ في اللُّغَةِ الجَرْحُ، ومِنهُ أُخِذَ العاقِرُ؛ لِأنَّهُ نَقْصُ أصْلِ الخِلْقَةِ، وعَقَرْتُ الفَرَسَ