< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah019
Maryam (19)
Mary, makkah, 98 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الحُرُوفَ بَعْضَها بِبَعْضٍ، ويُخْفُونَ النُّونَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ ”صادْ“، ذُكِرَ بِالإدْغامِ، وعَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ بِالإظْهارِ.
البَحْثُ الثّانِي: المَذاهِبُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الفَواتِحِ قَدْ تَقَدَّمَتْ لَكِنَّ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهَذا المَوْضِعِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: كهيعص ثَناءٌ مِنَ اللَّهِ عَلى نَفْسِهِ، فَمِنَ الكافِ وصْفُهُ بِأنَّهُ كافٍ ومِنَ الهاءِ هادٍ ومِنَ العَيْنِ عالِمٌ، ومِنَ الصّادِ صادِقٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أيْضًا أنَّهُ حَمَلَ الكافَ عَلى الكَبِيرِ والكَرِيمِ، ويُحْكى أيْضًا عَنْهُ أنَّهُ حَمَلَ الياءَ عَلى الكَرِيمِ مَرَّةً وعَلى الحَكِيمِ أُخْرى، وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في الياءِ أنَّهُ مِن مُجِيرٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في العَيْنِ أنَّهُ مِن عَزِيزٍ ومِن عَدْلٍ، وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَتْ قَوِيَّةً لِما بَيَّنّا أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُودِعَ كِتابَهُ ما لا تَدُلُّ عَلَيْهِ اللُّغَةُ لا بِالحَقِيقَةِ ولا بِالمَجازِ؛ لِأنّا إنْ جَوَّزْنا ذَلِكَ فَتَحَ عَلَيْنا قَوْلَ مَن يَزْعُمُ أنَّ لِكُلِّ ظاهِرٍ باطِنًا، واللُّغَةُ لا تَدُلُّ عَلى ما ذَكَرُوهُ فَإنَّهُ لَيْسَتْ دَلالَةُ الكافِ أوْلى مِن دَلالَتِهِ عَلى الكَرِيمِ أوِ الكَبِيرِ أوْ عَلى اسْمٍ آخَرَ مِن أسْماءِ الرَّسُولِ -ﷺ- أوِ المَلائِكَةِ أوِ الجَنَّةِ أوِ النّارِ؛ فَيَكُونُ حَمْلُهُ عَلى بَعْضِها دُونَ البَعْضِ تَحَكُّمًا لا تَدُلُّ عَلَيْهِ اللُّغَةُ أصْلًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في لَفْظَةِ ”ذِكْرُ“ أرْبَعُ قِراءاتٍ صِيغَةُ المَصْدَرِ أوِ الماضِي مُخَفَّفَةً أوْ مُشَدَّدَةً أوِ الأمْرُ، أمّا صِيغَةُ المَصْدَرِ فَلا بُدَّ فِيها مِن كَسْرِ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَلى الإضافَةِ ثُمَّ فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: نَصْبُ الدّالِ مِن ”عَبْدَهُ“ والهَمْزَةِ مِن ”زَكَرِيّاءَ“ وهو المَشْهُورُ.
وثانِيها: بِرَفْعِهِما والمَعْنى وتِلْكَ الرَّحْمَةُ هي عَبْدُهُ زَكَرِيّاءُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ.
صفحة ١٥٣
وثالِثُها: بِنَصْبِ الأوَّلِ وبِرَفْعِ الثّانِي والمَعْنى رَحْمَةُ رَبِّكِ عَبَدَهُ وهو زَكَرِيّاءُ.وأمّا صِيغَةُ الماضِي بِالتَّشْدِيدِ فَلا بُدَّ فِيها مِن نَصْبِ: رَحْمَةٍ. وأمّا صِيغَةُ الماضِي بِالتَّخْفِيفِ فَفِيها وجْهانِ:
أحَدُهُما: رَفْعُ الباءِ مِن ”رَبِّكَ“، والمَعْنى ذَكَرَ رَبُّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ.
وثانِيها: نَصْبُ الباءِ مِن ”رَبِّكَ“ والرَّفْعُ في عَبْدِهِ زَكَرِيّاءَ، وذَلِكَ بِتَقْدِيمِ المَفْعُولِ عَلى الفاعِلِ، وهاتانِ القِراءَتانِ لِلْكَلْبِيِّ، وأمّا صِيغَةُ الأمْرِ فَلا بُدَّ مِن نَصْبِ رَحْمَةٍ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واعْلَمْ أنَّ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِهِ صِيغَةَ المَصْدَرِ والماضِي؛ يَكُونُ التَّقْدِيرُ هَذا المَتْلُوُّ مِنَ القُرْآنِ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ”رَحْمَةِ رَبِّكِ“ أعْنِي عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ ثُمَّ في كَوْنِهِ رَحْمَةً وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ رَحْمَةً عَلى أُمَّتِهِ؛ لِأنَّهُ هَداهم إلى الإيمانِ والطّاعاتِ.
والآخَرُ: أنْ يَكُونَ رَحْمَةً عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ -ﷺ- وعَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا شَرَحَ لِمُحَمَّدٍ -ﷺ- طَرِيقَهُ في الإخْلاصِ والِابْتِهالِ في جَمِيعِ الأُمُورِ إلى اللَّهِ تَعالى صارَ ذَلِكَ لَفْظًا داعِيًا لَهُ ولِأُمَّتِهِ إلى تِلْكَ الطَّرِيقَةِ فَكانَ زَكَرِيّاءُ رَحْمَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فِيها ذِكْرُ الرَّحْمَةِ الَّتِي رَحِمَ بِها عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ راعى سُنَّةَ اللَّهِ في إخْفاءِ دَعْوَتِهِ لِأنَّ الجَهْرَ والإخْفاءَ عِنْدَ اللَّهِ سِيّانِ؛ فَكانَ الإخْفاءُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ، وأدْخَلُ في الإخْلاصِ.
وثانِيها: أخْفاهُ لِئَلّا يُلامَ عَلى طَلَبِ الوَلَدِ في زَمانِ الشَّيْخُوخَةِ.
وثالِثُها: أسَرَّهُ مِن مَوالِيهِ الَّذِينَ خافَهم.
ورابِعُها: خَفِيَ صَوْتُهُ لِضَعْفِهِ وهَرَمِهِ كَما جاءَ في صِفَةِ الشَّيْخِ: صَوْتُهُ خُفاتٌ وسَمْعُهُ تاراتٌ، فَإنْ قِيلَ مِن شَرْطِ النِّداءِ الجَهْرُ؛ فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ كَوْنِهِ نِداءً وخَفِيًّا، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ أتى بِأقْصى ما قَدَرَ