< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah015
Al-Hijr (15)
The Rock, makkah, 99 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ. وعَلى هَذا القَوْلِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: ما يَزالُ اللَّهُ يَرْحَمُ المُؤْمِنِينَ، ويُخْرِجُهم مِنَ النّارِ، ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ بِشَفاعَةِ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ، حَتّى إنَّهُ تَعالى في آخِرِ الأمْرِ يَقُولُ: مَن كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ. قالَ: فَهُنالِكَ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ. قالَ القاضِي: هَذِهِ الرِّواياتُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ أصْحابَ الكَبائِرِ مِنَ النّارِ، وعَلى أنَّ شَفاعَةَ الرَّسُولِ مَقْبُولَةٌ في إسْقاطِ العِقابِ، وهَذانِ الأصْلانِ عِنْدَهُ مَرْدُودانِ، فَعِنْدَ هَذا حُمِلَ هَذا الخَبَرُ عَلى وجْهٍ يُطابِقُ قَوْلَهُ ويُوافِقُ مَذْهَبَهُ وهو أنَّهُ تَعالى يُؤَخِّرُ إدْخالَ طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلى ظَنِّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ أنَّهُ تَعالى لا يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ فَيَزْدادُ غَمُّ الكَفَرَةِ وحَسْرَتُهم وهُناكَ يَوَدُّونَ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ، قالَ: فَبِهَذِهِ الطَّرِيقِ تُصَحَّحُ هَذِهِ الأخْبارُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ أهْلُ القِيامَةِ قَدْ يَتَمَنَّوْنَ أمْثالَ هَذِهِ الأحْوالِ وجَبَ أنْ يَتَمَنّى المُؤْمِنُ الَّذِي يَقِلُّ ثَوابُهُ
صفحة ١٢٣
دَرَجَةَ المُؤْمِنِ الَّذِي يَكْثُرُ ثَوابُهُ، والمُتَمَنِّي لَمّا لَمْ يَجِدْهُ يَكُونُ في الغُصَّةِ وتَألُّمِ القَلْبِ، وهَذا يَقْضِي أنْ يَكُونَ أكْثَرَ المُؤْمِنِينَ في الغُصَّةِ وتَألُّمِ القَلْبِ.قُلْنا: أحْوالُ أهْلِ الآخِرَةِ لا تُقاسُ بِأحْوالِ أهْلِ الدُّنْيا، فاللَّهُ سُبْحانَهُ أرْضى كُلَّ أحَدٍ بِما فِيهِ ونَزَعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ طَلَبَ الزِّياداتِ كَما قالَ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾[الأعراف: ٤٣] واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أما قوله تَعالى: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:المسألة الأُولى: المَعْنى: دَعِ الكُفّارَ يَأْخُذُوا حُظُوظَهم مِن دُنْياهم فَتِلْكَ أخْلاقُهم ولا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُلْهِهِمُ الأمَلُ﴾ يُقالُ: لَهِيتُ عَنِ الشَّيْءِ ألْهى لُهِيًّا، وجاءَ في الحَدِيثِ أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كانَ إذا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ لَهي عَنْ حَدِيثِهِ. قالَ الكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ تَرَكْتَهُ فَقَدْ لَهِيتَ عَنْهُ وأنْشَدَ:
صَرَمَتْ حِبالَكَ فالهَ عَنْها زَيْنَبُ ولَقَدْ أطَلْتَ عِتابَها لَوْ تَعْتِبُ
فَقَوْلُهُ ”فالهَ عَنْها“ أيِ اتْرُكْها وأعْرِضْ عَنْها. قالَ المُفَسِّرُونَ: شَغَلَهُمُ الأمَلُ عِنْدَ الأخْذِ بِحَظِّهِمْ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَصُدُّ عَنِ الإيمانِ ويَفْعَلُ بِالمُكَلَّفِ ما يَكُونُ لَهُ مَفْسَدَةً في الدِّينِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ﴾ فَحَكَمَ بِأنَّ إقْبالَهم عَلى التَّمَتُّعِ واسْتِغْراقَهم في طُولِ الأمَلِ يُلْهِيهِمْ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أذِنَ لَهم فِيها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَيْسَ هَذا إذْنًا وتَجْوِيزًا بَلْ هَذا تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.
قُلْنا: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ذَرْهُمْ﴾ إذَنْ أقْصى ما في البابِ أنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى أنَّ إقْبالَهم عَلى هَذِهِ الأعْمالِ يَضُرُّهم في دِينِهِمْ، وهَذا عَيْنُ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّهُ تَعالى أذِنَ في شَيْءٍ مَعَ أنَّهُ نَصَّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ مَفْسَدَةً لَهم في الدِّينِ.
المسألة الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ إيثارَ التَّلَذُّذِ والتَّنَعُّمِ وما يُؤَدِّي إلَيْهِ طُولُ الأمَلِ لَيْسَ مِن أخْلاقِ المُؤْمِنِينَ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: التَّمَرُّغُ في الدُّنْيا مِن أخْلاقِ الهالِكِينَ، والأخْبارُ في ذَمِّ الأمَلِ كَثِيرَةٌ فَمِنها ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ ويَشِبُّ فِيهِ اثْنانِ: الحِرْصُ عَلى المالِ وطُولُ الأمَلِ“»«وعَنْهُ ﷺ أنَّهُ نَقَطَ ثَلاثَ نُقَطٍ وقالَ: ”هَذا ابْنُ آدَمَ، وهَذا الأمَلُ، وهَذا الأجَلُ، ودُونَ الأمَلِ تِسْعٌ وتِسْعُونَ مَنِيَّةً فَإنْ أخَذَتْهُ إحْداهُنَّ، وإلّا فالهَرَمُ مِن ورائِهِ“»، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: إنَّما أخْشى عَلَيْكُمُ اثْنَيْنِ: طُولُ الأمَلِ واتِّباعُ الهَوى، فَإنَّ