< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah014
Ibrahim (14)
Abraham, makkah, 52 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
صفحة ٥٧
[ سُورَةُ إبْراهِيمَ ]مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْ ٢٨ و٢٩ فَمَدَنِيَّتانِ
وآياتُها ٥٢ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ نُوحٍ
﷽
﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ .
﷽
﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ طَرِيقُهُ الآحادُ. ومَتى لَمْ يَكُنْ في السُّورَةِ ما يَتَّصِلُ بِالأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ فَنُزُولُها بِمَكَّةَ والمَدِينَةِ سَواءٌ، وإنَّما يَخْتَلِفُ الغَرَضُ في ذَلِكَ إذا حَصَلَ فِيهِ ناسِخٌ ومَنسُوخٌ فَيَكُونُ فِيهِ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿الر كِتابٌ﴾ مَعْناهُ أنَّ السُّورَةَ المُسَمّاةَ بِـ الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِغَرَضِ كَذا وكَذا، فَقَوْلُهُ: ﴿الر﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ﴾ خَبَرُهُ وقَوْلُهُ: ﴿أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ صِفَةٌ لِذَلِكَ الخَبَرِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: النّازِلُ والمُنْزَلُ لا يَكُونُ قَدِيمًا.
وجَوابُنا: أنَّ المَوْصُوفَ بِالنّازِلِ والمُنْزَلِ هو هَذِهِ الحُرُوفُ وهي مُحْدَثَةٌ بِلا نِزاعٍ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ﴾ لامُ الغَرَضِ والحِكْمَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذا الكِتابَ لِهَذا الغَرَضِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ بِرِعايَةِ المَصالِحِ.
أجابَ أصْحابُنا عَنْهُ بِأنَّ مَن فَعَلَ فِعْلًا لِأجْلِ شَيْءٍ آخَرَ، فَهَذا إنَّما يَفْعَلُهُ لَوْ كانَ عاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِ هَذا المَقْصُودِ إلّا بِهَذِهِ الواسِطَةِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وإذا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ يَمْتَنِعُ تَعْلِيلُ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ بِالعِلَلِ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ظاهِرٍ أشْعَرَ بِهِ، فَإنَّهُ مُؤَوَّلٌ مَحْمُولٌ عَلى مَعْنًى آخَرَ.
صفحة ٥٨
المسألة الثّالِثَةُ: إنَّما شَبَّهَ الكُفْرَ بِالظُّلُماتِ لِأنَّهُ نِهايَةُ ما يَتَحَيَّرُ الرَّجُلُ فِيهِ عَنْ طَرِيقِ الهِدايَةِ، وشَبَّهَ الإيمانَ بِالنُّورِ؛ لِأنَّهُ ما يَنْجَلِي بِهِ طَرِيقُ هِدايَتِهِ.* * *
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ فِيها دَلالَةٌ عَلى إبْطالِ القَوْلِ بِالجَبْرِ مِن جِهاتٍ:أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ يَخْلُقُ الكُفْرَ في الكافِرِ فَكَيْفَ يَصِحُّ إخْراجُهُ مِنهُ بِالكِتابِ؟
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أضافَ الإخْراجَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، فَإنْ كانَ خالِقُ ذَلِكَ الكُفْرِ هو اللَّهَ تَعالى فَكَيْفَ يَصِحُّ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إخْراجُهم مِنهُ، وكانَ لِلْكافِرِ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الكُفْرَ فِينا، فَكَيْفَ يَصِحُّ مِنكَ أنْ تُخْرِجَنا مِنهُ؟ فَإنْ قالَ لَهم: أنا أُخْرِجُكم مِنَ الظُّلُماتِ الَّتِي هي كُفْرٌ مُسْتَقْبَلٌ لا واقِعٌ، فَلَهم أنْ يَقُولُوا: إنْ كانَ تَعالى سَيَخْلُقُهُ فِينا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ الإخْراجُ، وإنْ لَمْ يَخْلُقْهُ فَنَحْنُ خارِجُونَ مِنهُ بِلا إخْراجٍ.
وثالِثُها: أنَّهُ ﷺ إنَّما يُخْرِجُهم مِنَ الكُفْرِ بِالكِتابِ بِأنْ يَتْلُوَهُ عَلَيْهِمْ لِيَتَدَبَّرُوهُ ويَنْظُرُوا فِيهِ فَيَعْلَمُوا بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا قادِرًا حَكِيمًا ويَعْلَمُوا بِكَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزَةَ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ، وحِينَئِذٍ يَقْبَلُوا مِنهُ كُلَّ ما أدّاهُ إلَيْهِمْ مِنَ الشَّرائِعِ، وذَلِكَ لا يَصِحُّ إلّا إذا كانَ الفِعْلُ لَهم ويَقَعُ بِاخْتِيارِهِمْ، ويَصِحُّ مِنهم أنْ يُقْدِمُوا عَلَيْهِ ويَتَصَرَّفُوا فِيهِ.
والجَوابُ عَنِ الكُلِّ أنْ نَقُولَ: الفِعْلُ الصّادِرُ مِنَ العَبْدِ إمّا أنْ يَصْدُرَ عَنْهُ حالَ اسْتِواءِ الدّاعِي إلى الفِعْلِ والتَّرْكِ، أوْ حالَ رُجْحانِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ، والأوَّلُ باطِلُ؛ لِأنَّ صُدُورَ الفِعْلِ رُجْحانٌ لِجانِبِ الوُجُودِ عَلى جانِبِ العَدَمِ، وحُصُولُ الرُّجْحانِ حالَ حُصُولِ الِاسْتِواءِ مُحالٌ.
والثّانِي: عُيِّنَ قَوْلُنا لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ صُدُورُ الفِعْلِ عَنْهُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ الرُّجْحانِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ الرُّجْحانُ مِنهُ عادَ السُّؤالُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنهُ بَلْ مِنَ اللَّهِ