< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah013
Ar-Ra'd (13)
The Thunder, madinah, 43 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلَيْهِ ؟ وأيْضًا بِتَقْدِيرِ أنْ يُشاهَدَ كَوْنُهُ مُسْتَقِرًّا عَلى العَرْشِ إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يُشْعِرُ بِكَمالِ حالِهِ وغايَةِ جَلالِهِ، بَلْ يَدُلُّ عَلى احْتِياجِهِ إلى المَكانِ والحَيِّزِ، وأيْضًا فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما كانَ بِهَذِهِ الحالَةِ ثُمَّ صارَ بِهَذِهِ الحالَةِ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّغَيُّرَ.
وأيْضًا الِاسْتِواءُ ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، فَظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مُعْوَجًّا مُضْطَرِبًا، ثُمَّ صارَ مُسْتَوِيًا، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ اسْتِواؤُهُ عَلى عالَمِ الأجْسامِ بِالقَهْرِ والقُدْرَةِ والتَّدْبِيرِ والحِفْظِ، يَعْنِي أنَّ مَن فَوْقَ العَرْشِ إلى ما تَحْتَ الثَّرى في حِفْظِهِ وفي تَدْبِيرِهِ وفي الِاحْتِياجِ إلَيْهِ.
وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ: فَهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ اشْتَمَلَ عَلى نَوْعَيْنِ مِنَ الدَّلالَةِ:
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ القاهِرِ بِحَرَكاتِ هَذِهِ الأجْرامِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ، فَهَذِهِ الأجْرامُ قابِلَةٌ لِلْحَرَكَةِ والسُّكُونِ فاخْتِصاصُها بِالحَرَكَةِ الدّائِمَةِ دُونَ السُّكُونِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُخَصِّصٍ.
وأيْضًا أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الحَرَكاتِ مُخْتَصَّةٌ بِكَيْفِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ البُطْءِ والسُّرْعَةِ، فَلا بُدَّ أيْضًا مِن مُخَصِّصٍ لا سِيَّما عِنْدَ مَن يَقُولُ: الحَرَكَةُ البَطِيئَةُ مَعْناها حَرَكاتٌ مَخْلُوطَةٌ بِسَكَناتٍ، وهَذا يُوجِبُ الِاعْتِرافَ بِأنَّها تَتَحَرَّكُ في بَعْضِ الأحْيازِ، وتَسْكُنُ في البَعْضِ، فَحُصُولُ الحَرَكَةِ في ذَلِكَ الحَيِّزِ المُعَيَّنِ والسُّكُونُ في الحَيِّزِ الآخَرِ لا بُدَّ فِيهِ أيْضًا مِن مُرَجِّحٍ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ تَقْدِيرَ تِلْكَ الحَرَكاتِ والسَّكَناتِ بِمَقادِيرَ مَخْصُوصَةٍ عَلى وجْهٍ تَحْصُلُ عَوْداتُها وأدْوارُها مُتَساوِيَةً بِحَسَبِ المُدَّةِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ فَلا بُدَّ مِن مُقَدِّرٍ.
صفحة ١٨٧
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ بَعْضَ تِلْكَ الحَرَكاتِ مَشْرِقِيَّةٌ وبَعْضَها مَغْرِبِيَّةٌ وبَعْضَها مائِلَةٌ إلى الشَّمالِ وبَعْضَها مائِلَةٌ إلى الجَنُوبِ، وهَذا أيْضًا لا يَتِمُّ إلّا بِتَدْبِيرٍ كامِلٍ وحِكْمَةٍ بالِغَةٍ.
النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مِائَةٌ وثَمانُونَ مَنزِلًا كُلَّ يَوْمٍ لَها مَنزِلٌ، وذَلِكَ يَتِمُّ في سِتَّةِ أشْهُرٍ، ثُمَّ إنَّها تَعُودُ مَرَّةً أُخْرى إلى واحِدٍ مِنها في سِتَّةِ أشْهُرٍ أُخْرى، وكَذَلِكَ القَمَرُ لَهُ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ هَذا.
وتَحْقِيقُهُ أنَّهُ تَعالى قَدَّرَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ سَيْرًا خاصًّا إلى جِهَةٍ خاصَّةٍ بِمِقْدارٍ خاصٍّ مِنَ السُّرْعَةِ والبُطْءِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ لَها بِحَسَبِ كُلِّ لَحْظَةٍ ولَمْحَةٍ حالَةٌ أُخْرى ما كانَتْ حاصِلَةً قَبْلَ ذَلِكَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ كَوْنُهُما مُتَحَرِّكَيْنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وعِنْدَ مَجِيءِ ذَلِكَ اليَوْمِ تَنْقَطِعُ هَذِهِ الحَرَكاتُ، وتَبْطُلُ تِلْكَ السِّيراتُ كَما وصَفَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾﴿وإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ (التَّكْوِيرِ: ١، ٢) ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ (الِانْشِقاقِ: ١) ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ (الِانْفِطارِ: ١) ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ (القِيامَةِ: ٩) وهو كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ (الأنْعامِ: ٢) ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الدَّلائِلَ قالَ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ وكُلُّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ حَمَلَ هَذا عَلى تَدْبِيرِ نَوْعٍ آخَرَ مِن أحْوالِ العالَمِ والأوْلى حَمْلُهُ عَلى الكُلِّ فَهو يُدَبِّرُهم بِالإيجادِ والإعْدامِ وبِالإحْياءِ والإماتَةِ والإغْناءِ والإفْقارِ، ويَدْخُلُ فِيهِ إنْزالُ الوَحْيِ، وبَعْثَةُ الرُّسُلِ، وتَكْلِيفُ العِبادِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَجِيبٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا العالَمَ المَعْلُومَ مِن أعْلى العَرْشِ إلى ما تَحْتَ الثَّرى أنْواعٌ وأجْناسٌ لا يُحِيطُ بِها إلّا اللَّهُ تَعالى.
والدَّلِيلُ المَذْكُورُ دَلَّ عَلى أنَّ اخْتِصاصَ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِوَضْعِهِ ومَوْضِعِهِ