< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


بِهَذا الِاجْتِباءِ، فَقالَ الحَسَنُ: يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ بِالنُّبُوَّةِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مِنهُ إعْلاءُ الدَّرَجَةِ وتَعْظِيمُ المَرْتَبَةِ، فَأمّا تَعْيِينُ النُّبُوَّةِ فَلا دَلالَةَ في اللَّفْظِ عَلَيْهِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا سَمّاهُ تَأْوِيلًا لِأنَّهُ يُؤَوِّلُ أمْرَهُ إلى ما رَآهُ في المَنامِ، يَعْنِي تَأْوِيلَ أحادِيثِ النّاسِ فِيما يَرَوْنَهُ في مَنامِهِمْ. قالُوا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في عِلْمِ التَّعْبِيرِ غايَةً.

والثّانِي: تَأْوِيلُ الأحادِيثِ في كُتُبِ اللَّهِ تَعالى والأخْبارِ المَرْوِيَّةِ عَنِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، كَما أنَّ الواحِدَ مِن عُلَماءِ زَمانِنا يَشْتَغِلُ بِتَفْسِيرِ القُرْآنِ وتَأْوِيلِهِ، وتَأْوِيلِ الأحادِيثِ المَرْوِيَّةِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ .

والثّالِثُ: الأحادِيثُ جَمْعُ حَدِيثٍ، والحَدِيثُ هو الحادِثُ، وتَأْوِيلُها مَآلُها، ومَآلُ الحَوادِثِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وتَكْوِينِهِ وحِكْمَتِهِ، والمُرادُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ كَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِأصْنافِ المَخْلُوقاتِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ وجَلالَتِهِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ مَن فَسَّرَ الِاجْتِباءَ بِالنُّبُوَّةِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُفَسِّرَ إتْمامَ النِّعْمَةِ هَهُنا بِالنُّبُوَّةِ أيْضًا وإلّا لَزِمَ التَّكْرارُ، بَلْ يُفَسَّرُ إتْمامُ النِّعْمَةِ هَهُنا بِسَعاداتِ الدُّنْيا وسَعاداتِ الآخِرَةِ. أمّا سَعاداتُ الدُّنْيا فالإكْثارُ مِنَ الأوْلادِ والخَدَمِ والأتْباعِ والتَّوَسُّعُ في المالِ والجاهِ والحَشَمِ، وإجْلالُهُ في قُلُوبِ الخَلْقِ وحُسْنُ الثَّناءِ والحَمْدِ. وأمّا سَعاداتُ الآخِرَةِ: فالعُلُومُ الكَثِيرَةُ والأخْلاقُ الفاضِلَةُ والِاسْتِغْراقُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى. وأمّا مَن فَسَّرَ الِاجْتِباءَ بِنَيْلِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ، فَهَهُنا يُفَسِّرُ إتْمامَ النِّعْمَةِ بِالنُّبُوَّةِ ويَتَأكَّدُ هَذا بِأُمُورٍ:

الأوَّلُ: أنَّ إتْمامَ النِّعْمَةِ عِبارَةٌ عَمّا بِهِ تَصِيرُ النِّعْمَةُ تامَّةً كامِلَةً خالِيَةً عَنْ جِهاتِ النُّقْصانِ. وما ذاكَ في حَقِّ البَشَرِ إلّا بِالنُّبُوَّةِ، فَإنَّ جَمِيعَ مَناصِبِ الخَلْقِ دُونَ مَنصِبِ الرِّسالَةِ ناقِصٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كَمالِ النُّبُوَّةِ، فالكَمالُ المُطْلَقُ والتَّمامُ المُطْلَقُ في حَقِّ البَشَرِ لَيْسَ إلّا النُّبُوَّةُ.

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ النِّعْمَةَ التّامَّةَ الَّتِي بِها حَصَلَ امْتِيازُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ عَنْ سائِرِ البَشَرِ لَيْسَ إلّا النُّبُوَّةُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِإتْمامِ النِّعْمَةِ هو النُّبُوَّةَ.

صفحة ٧٣

واعْلَمْ أنّا لَمّا فَسَّرْنا هَذِهِ الآيَةَ بِالنُّبُوَّةِ لَزِمَ الحُكْمُ بِأنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ كُلَّهم كانُوا أنْبِياءَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ وهَذا يَقْتَضِي حُصُولَ تَمامِ النِّعْمَةِ لِآلِ يَعْقُوبَ، فَلَمّا كانَ المُرادُ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ هو النُّبُوَّةَ لَزِمَ حُصُولُها لِآلِ يَعْقُوبَ. تَرَكَ العَمَلَ بِهِ في حَقِّ مَن عَدا أبْناءَهُ فَوَجَبَ أنْ لا يَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في حَقِّ أوْلادِهِ. وأيْضًا أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ وكانَ تَأْوِيلُهُ أحَدَ عَشَرَ نَفْسًا لَهم فَضْلٌ وكَمالٌ، ويَسْتَضِيءُ بِعِلْمِهِمْ ودِينِهِمْ أهْلُ الأرْضِ، لِأنَّهُ لا شَيْءَ أضْوَأُ مِنَ الكَواكِبِ وبِها يُهْتَدى، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ أوْلادِ يَعْقُوبَ أنْبِياءَ ورُسُلًا.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أنْبِياءَ وقَدْ أقْدَمُوا عَلى ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟

قُلْنا: ذاكَ وقَعَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وعِنْدَنا العِصْمَةُ إنَّما تُعْتَبَرُ في وقْتِ النُّبُوَّةِ لا قَبْلَها.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ خَلاصُهُ مِنَ المِحَنِ، ويَكُونُ وجْهُ التَّشْبِيهِ في ذَلِكَ بِإبْراهِيمَ وإسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ هو إنْعامُ اللَّهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ بِإنْجائِهِ مِنَ النّارِ وعَلى ابْنِهِ إسْحاقَ بِتَخْلِيصِهِ مِنَ الذَّبْحِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ إتْمامَ النِّعْمَةِ هو وصْلُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ بِأنْ جَعَلَهم في الدُّنْيا أنْبِياءَ ومُلُوكًا ونَقَلَهم عَنْها إلى الدَّرَجاتِ العُلى في الجَنَّةِ.

واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الصَّحِيحَ هو الأوَّلُ، لِأنَّ النِّعْمَةَ التّامَّةَ في حَقِّ البَشَرِ لَيْسَتْ إلّا النُّبُوَّةَ،