< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah011
Hud (11)
Hud, makkah, 123 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
بِأيِّ سَبَبٍ أُرْسِلُوا، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ المَلائِكَةَ أزالُوا ذَلِكَ الخَوْفَ عَنْهُ، فَقالُوا:﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ومَعْناهُ: أُرْسِلْنا بِالعَذابِ إلى قَوْمِ لُوطٍ؛ لِأنَّهُ أضْمَرَ لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ في سُورَةٍ أُخْرى، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾[الحِجْرِ: ٥٨ ]﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً﴾[الذّارِياتِ: ٣٣ ] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ يَعْنِي سارَّةَ بِنْتَ آزَرَ بْنِ باحُورا، بِنْتَ عَمِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَوْلُهُ: ﴿قائِمَةٌ﴾ قِيلَ: كانَتْ قائِمَةً مِن وراءِ السِّتْرِ تَسْتَمِعُ إلى الرُّسُلِ؛ لِأنَّها رُبَّما خافَتْ أيْضًا، وقِيلَ: كانَتْ قائِمَةً تَخْدِمُ الأضْيافَ وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جالِسٌ مَعَهم، ويُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ”وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو قاعِدٌ“ .* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ واخْتَلَفُوا في الضَّحِكِ عَلى قَوْلَيْنِ: مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى نَفْسِ الضَّحِكِ، ومِنهم مَن حَمَلَ هَذا اللَّفْظَ عَلى مَعْنًى آخَرَ سِوى الضَّحِكِ. أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى نَفْسِ الضَّحِكِ فاخْتَلَفُوا في أنَّها لِمَ ضَحِكَتْ، وذَكَرُوا وُجُوهًا:الأوَّلُ: قالَ القاضِي: إنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ سَبَبًا جَرى ذِكْرُهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وما ذاكَ إلّا أنَّها فَرِحَتْ بِزَوالِ ذَلِكَ الخَوْفِ عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، حَيْثُ قالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وعَظُمَ سُرُورُها بِسَبَبِ سُرُورِهِ بِزَوالِ خَوْفِهِ، وفي مِثْلِ هَذِهِ
صفحة ٢٢
الحالَةِ قَدْ يَضْحَكُ الإنْسانُ، وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ كانَ ضَحِكُها بِسَبَبِ قَوْلِ المَلائِكَةِ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿لا تَخَفْ﴾ فَكانَ كالبِشارَةِ، فَقِيلَ لَها: نَجْعَلُ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَتَيْنِ، فَكَما حَصَلَتِ البِشارَةُ بِزَوالِ الخَوْفِ، فَقَدْ حَصَلَتِ البِشارَةُ أيْضًا بِحُصُولِ الوَلَدِ الَّذِي كُنْتُمْ تَطْلُبُونَهُ مِن أوَّلِ العُمْرِ إلى هَذا الوَقْتِ، وهَذا تَأْوِيلٌ في غايَةِ الحُسْنِ.الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنَّها كانَتْ عَظِيمَةَ الإنْكارِ عَلى قَوْمِ لُوطٍ؛ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعَمَلِ الخَبِيثِ، فَلَمّا أظْهَرُوا أنَّهم جاءُوا لِإهْلاكِهِمْ، لَحِقَها السُّرُورُ فَضَحِكَتْ.
الثّالِثُ: قالَ السُّدِّيُّ: قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم: ( ألا تَأْكُلُونَ ؟ قالُوا: لا نَأْكُلُ طَعامًا إلّا بِالثَّمَنِ، فَقالَ: ثَمَنُهُ أنْ تَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ تَعالى عَلى أوَّلِهِ وتَحْمَدُوهُ عَلى آخِرِهِ، فَقالَ جِبْرِيلُ لِمِيكائِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ”حُقَّ لِمِثْلِ هَذا الرَّجُلِ أنْ يَتَّخِذَهُ رَبُّهُ خَلِيلًا“ فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ فَرَحًا مِنها بِهَذا الكَلامِ.
الرّابِعُ: أنَّ سارَّةَ قالَتْ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: أرْسِلْ إلى ابْنِ أخِيكَ وضُمَّهُ إلى نَفْسِكَ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتْرُكُ قَوْمَهُ حَتّى يُعَذِّبَهم، فَعِنْدَ تَمامِ هَذا الكَلامِ دَخَلَ المَلائِكَةُ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَلَمّا أخْبَرُوهُ بِأنَّهم إنَّما جاءُوا لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، صارَ قَوْلُهم مُوافِقًا لِقَوْلِها، فَضَحِكَتْ لِشِدَّةِ سُرُورِها بِحُصُولِ المُوافَقَةِ بَيْنَ كَلامِها وبَيْنَ كَلامِ المَلائِكَةِ.
الخامِسُ: أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا أخْبَرُوا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهم مِنَ المَلائِكَةِ لا مِنَ البَشَرِ، وأنَّهم إنَّما جاءُوا لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، طَلَبَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنهم مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى أنَّهم مِنَ المَلائِكَةِ، فَدَعَوْا رَبَّهم بِإحْياءِ العِجْلِ المَشْوِيِّ، فَطَفَرَ ذَلِكَ العِجْلُ المَشْوِيُّ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي كانَ مَوْضُوعًا فِيهِ إلى مَرْعاهُ، وكانَتِ امْرَأةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قائِمَةً، فَضَحِكَتْ لَمّا رَأتْ ذَلِكَ العِجْلَ المَشْوِيَّ قَدْ طَفَرَ مِن مَوْضِعِهِ.
السّادِسُ: أنَّها ضَحِكَتْ تَعَجُّبًا مِن أنَّ قَوْمًا أتاهُمُ العَذابُ وهم في غَفْلَةٍ.
السّابِعُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم بَشَّرُوها بِحُصُولِ مُطْلَقِ الوَلَدِ فَضَحِكَتْ، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ، فَإنَّهُ يُقالُ: إنَّها كانَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِنْتَ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ