< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah108
Al-Kawthar (108)
Abundance, makkah, 3 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
فَأخْبَرَهُ فَأسْلَمَ العَبّاسُ لِذَلِكَ، وأمّا سُلَيْمانُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّ لَهُ الشَّمْسَ مَرَّةً، وفَعَلَ ذَلِكَ أيْضًا لِلرَّسُولِ حِينَ نامَ ورَأْسُهُ في حِجْرِ عَلِيٍّ فانْتَبَهَ وقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَرَدَّها حَتّى صَلّى، ورَدَّها مَرَّةً أُخْرى لِعَلِيٍّ فَصَلّى العَصْرَ في وقْتِهِ، وعَلَّمَ سُلَيْمانَ مَنطِقَ الطَّيْرِ، وفَعَلَ ذَلِكَ في حَقِّ مُحَمَّدٍ، رُوِيَ«أنَّ طَيْرًا فُجِعَ بِوَلَدِهِ فَجَعَلَ يُرَفْرِفُ عَلى رَأْسِهِ ويُكَلِّمُهُ فَقالَ: أيُّكم فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِها ؟ فَقالَ رَجُلٌ: أنا، فَقالَ: ارْدُدْ إلَيْها ولَدَها»، وكَلامُ الذِّئْبِ مَعَهُ مَشْهُورٌ، وأكْرَمَ سُلَيْمانَ بِمَسِيرِهِ غُدْوَةً شَهْرًا وأكْرَمَهُ بِالمَسِيرِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ في ساعَةٍ، وكانَ حِمارُهُ يَعْفُورُ يُرْسِلُهُ إلى مَن يُرِيدُ فَيَجِيءُ بِهِ، وقَدْ شَكَوْا إلَيْهِ مِن ناقَةٍ أنَّها أُغِيلَتْ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلَيْها فَذَهَبَ إلَيْها، فَلَمّا رَأتْهُ خَضَعَتْ لَهُ، وأرْسَلَ مُعاذًا إلى بَعْضِ النَّواحِي، فَلَمّا وصَلَ إلى المَفازَةِ، فَإذا أسَدٌ جاثِمٌ فَهالَهُ ذَلِكَ ولَمْ يَسْتَجْرِئْ أنْ يَرْجِعَ، فَتَقَدَّمَ وقالَ: إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ فَتَبَصْبَصَ، وكَما انْقادَ الجِنُّ لِسُلَيْمانَ، فَكَذَلِكَ انْقادُوا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحِينَ جاءَ الأعْرابِيُّ بِالضَّبِّ، وقالَ: لا أُؤْمِنُ بِكَ حَتّى يُؤْمِنَ بِكَ هَذا الضَّبُّ، فَتَكَلَّمَ الضَّبُّ مُعْتَرِفًا بِرِسالَتِهِ، وحِينَ كَفَلَ الظَّبْيَةَ حِينَ أرْسَلَها الأعْرابِيُّ رَجَعَتْ تَعْدُو حَتّى أخْرَجَتْهُ مِنَ الكَفالَةِ وحَنَّتِ الحِنايَةُ لِفِراقِهِ، وحِينَ لَسَعَتِ الحَيَّةُ عَقِبَ الصِّدِّيقِ في الغارِ، قالَتْ: كُنْتُ مُشْتاقَةً إلَيْهِ مُنْذُ كَذا سِنِينَ فَلِمَ حَجَبْتَنِي عَنْهُ ؟ .
وأطْعَمَ الخَلْقَ الكَثِيرَ، مِنَ الطَّعامِ القَلِيلِ، ومُعْجِزاتُهُ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى وتُعَدَّ، فَلِهَذا قَدَّمَهُ اللَّهُ عَلى الَّذِينَ اصْطَفاهم فَقالَ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾[الأحزاب: ٧] فَلَمّا كانَتْ رِسالَتُهُ كَذَلِكَ جازَ أنْ يُسَمِّيَها اللَّهُ تَعالى كَوْثَرًا، فَقالَ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ .
* * *
القَوْلُ السّادِسُ: الكَوْثَرُ هو القُرْآنُ، وفَضائِلُهُ لا تُحْصى ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾[لقمان: ٢٧]﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي﴾[الكهف: ١٠٩] .القَوْلُ السّابِعُ: الكَوْثَرُ الإسْلامُ، وهو لَعَمْرِي الخَيْرُ الكَثِيرُ، فَإنَّ بِهِ يَحْصُلُ خَيْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وبِفَواتِهِ يَفُوتُ خَيْرُ الدُّنْيا وخَيْرُ الآخِرَةِ، وكَيْفَ لا والإسْلامُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْرِفَةِ ؟ أوْ ما لا بُدَّ فِيهِ مِنَ المَعْرِفَةِ، قالَ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾[البقرة: ٢٦٩] وإذا كانَ الإسْلامُ خَيْرًا كَثِيرًا فَهو الكَوْثَرُ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّهُ بِالإسْلامِ، مَعَ أنَّ نِعَمَهُ عَمَّتِ الكُلَّ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإسْلامَ وصَلَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ، فَكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كالأصْلِ فِيهِ.
القَوْلُ الثّامِنُ:
صفحة ١١٩
الكَوْثَرُ كَثْرَةُ الأتْباعِ والأشْياعِ، ولا شَكَّ أنَّ لَهُ مِنَ الأتْباعِ ما لا يُحْصِيهِمْ إلّا اللَّهُ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ: «أنا دَعْوَةُ خَلِيلِ اللَّهِ إبْراهِيمَ، وأنا بُشْرى عِيسى، وأنا مَقْبُولُ الشَّفاعَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَبَيْنا أكُونُ مَعَ الأنْبِياءِ، إذْ تَظْهَرُ لَنا أُمَّةٌ مِنَ النّاسِ فَنَبْتَدِرُهم بِأبْصارِنا ما مِنّا مِن نَبِيٍّ إلّا وهو يَرْجُو أنْ تَكُونَ أُمَّتَهُ، فَإذا هم غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ، فَأقُولُ: أُمَّتِي ورَبِّ الكَعْبَةِ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ يَظْهَرُ لَنا مِثْلُ ما ظَهَرَ أوَّلًا فَنَبْتَدِرُهم بِأبْصارِنا ما مِن نَبِيٍّ إلّا ويَرْجُو أنْ تَكُونَ أُمَّتَهُ، فَإذا هم غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ فَأقُولُ: أُمَّتِي ورَبِّ الكَعْبَةِ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ يُرْفَعُ لَنا ثَلاثَةُ أمْثالِ ما قَدْ رُفِعَ فَنَبْتَدِرُهم، وذَكَرَ كَما ذَكَرَ في المَرَّةِ الأُولى والثّانِيَةِ، ثُمَّ قالَ: لَتَدْخُلَنَّ ثَلاثُ فِرَقٍ مِن أُمَّتِي الجَنَّةَ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها أحَدٌ مِنَ النّاسِ» ولَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «تَناكَحُوا تَناسَلُوا تَكْثُرُوا، فَإنِّي أُباهِي بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ ولَوْ بِالسِّقْطِ»