< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah109
Al-Kaafiroon (109)
The Disbelievers, makkah, 6 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
صفحة ١٢٧
(سُورَةُ الكافِرُونَ) .سِتُّ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ.
﷽
﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تُسَمّى سُورَةَ المُنابِذَةِ وسُورَةَ الإخْلاصِ والمُقَشْقِشَةَ، ورُوِيَ أنَّ مَن قَرَأها فَكَأنَّما قَرَأ رُبْعَ القُرْآنِ، والوَجْهُ فِيهِ أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الأمْرِ بِالمَأْمُوراتِ والنَّهْيِ عَنِ المُحَرَّماتِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَنْقَسِمُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالقُلُوبِ وإلى ما يَتَعَلَّقُ بِالجَوارِحِ وهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى النَّهْيِ عَنِ المُحَرَّماتِ المُتَعَلِّقَةِ بِأفْعالِ القُلُوبِ فَتَكُونُ رُبْعًا لِلْقُرْآنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (قُلْ) فِيهِ فَوائِدُ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِالرِّفْقِ واللِّينِ في جَمِيعِ الأُمُورِ كَما قالَ: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾، ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ ثُمَّ كانَ مَأْمُورًا بِأنْ يَدْعُوَ إلى اللَّهِ بِالوَجْهِ الأحْسَنِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾[النحل: ١٢٥] ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ خاطَبَهم بِـ ”﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾“ فَكانُوا يَقُولُونَ: كَيْفَ يَلِيقُ هَذا التَّغْلِيظُ بِذَلِكَ الرِّفْقِ ؟ فَأجابَ بِأنِّي مَأْمُورٌ بِهَذا الكَلامِ لا أنِّي ذَكَرْتُهُ مِن عِنْدِ نَفْسِي، فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ (قُلْ) تَقْرِيرَ هَذا المَعْنى.
وثانِيها: أنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾[الشعراء: ٢١٤] وهو كانَ يُحِبُّ أقْرِباءَهُ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾
صفحة ١٢٨
[الشورى: ٢٣] فَكانَتِ القَرابَةُ ووَحْدَةُ النَّسَبِ كالمانِعِ مِن إظْهارِ الخُشُونَةِ فَأُمِرَ بِالتَّصْرِيحِ بِتِلْكَ الخُشُونَةِ والتَّغْلِيظِ فَقِيلَ لَهُ: (قُلْ) .وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾[المائدة: ٦٧] فَأُمِرَ بِتَبْلِيغِ كُلِّ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَلَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ نَقَلَ هو عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الكَلامَ بِجُمْلَتِهِ كَأنَّهُ قالَ: إنَّهُ تَعالى أمَرَنِي بِتَبْلِيغِ كُلِّ ما أُنْزِلَ عَلَيَّ والَّذِي أُنْزِلَ عَلَيَّ هو مَجْمُوعُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ فَأنا أيْضًا أُبَلِّغُهُ إلى الخَلْقِ هَكَذا.
ورابِعُها: أنَّ الكُفّارَ كانُوا مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الصّانِعِ، وأنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَهم ورَزَقَهم، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[لقمان: ٢٥] والعَبْدُ يَتَحَمَّلُ مِن مَوْلاهُ ما لا يَتَحَمَّلُهُ مِن غَيْرِهِ، فَلَوْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ابْتِداءً: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ لَجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ هَذا كَلامَ مُحَمَّدٍ، فَلَعَلَّهم ما كانُوا يَتَحَمَّلُونَهُ مِنهُ وكانُوا يُؤْذُونَهُ. أمّا لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ: ﴿قُلْ﴾ عَلِمُوا أنَّهُ يَنْقُلُ هَذا التَّغْلِيظَ عَنْ خالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَكانُوا يَتَحَمَّلُونَهُ ولا يَعْظُمُ تَأذِّيهِمْ بِهِ.
وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ﴾ يُوجِبُ كَوْنَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿قُلْ﴾ كانَ ذَلِكَ كالمَنشُورِ الجَدِيدِ في ثُبُوتِ رِسالَتِهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المُبالَغَةَ في تَعْظِيمِ الرَّسُولِ، فَإنَّ المَلِكَ إذا فَوَّضَ مَمْلَكَتَهُ إلى بَعْضِ عَبِيدِهِ، فَإذا كانَ يَكْتُبُ لَهُ كُلَّ شَهْرٍ وسَنَةٍ مَنشُورًا جَدِيدًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى غايَةِ اعْتِنائِهِ بِشَأْنِهِ، وأنَّهُ عَلى عَزْمٍ أنْ يَزِيدَهُ كُلَّ يَوْمٍ تَعْظِيمًا وتَشْرِيفًا.
وسادِسُها: أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا: نَعْبُدُ إلَهَكَ سَنَةً، وتَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: اسْتَأْمَرْتُ إلَهِي فِيهِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .
وسابِعُها: الكُفّارُ قالُوا فِيهِ السُّوءَ، فَهو تَعالى زَجَرَهم عَنْ ذَلِكَ، وأجابَهم وقالَ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾[الكوثر: ٣] وكَأنَّهُ تَعالى قالَ: حِينَ ذَكَرُوكَ بِسُوءٍ، فَأنا كُنْتُ المُجِيبَ بِنَفْسِي، فَحِينَ ذَكَرُونِي بِالسُّوءِ وأثْبَتُوا لِيَ الشُّرَكاءَ، فَكُنْ أنْتَ المُجِيبَ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .
وثامِنُها: أنَّهم سَمَّوْكَ أبْتَرَ، فَإنْ