< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: (أعْطَيْناكَ) قَرَنَ بِهِ قَرِينَةً دالَّةً عَلى أنَّهُ لا يَسْتَرْجِعُها، وذَلِكَ لِأنَّ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْأجْنَبِيِّ أنْ يَسْتَرْجِعَ مَوْهُوبَهُ، فَإنْ أخَذَ عِوَضًا وإنْ قَلَّ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ الرُّجُوعُ؛ لِأنَّ مَن وهَبَ شَيْئًا يُساوِي ألْفَ دِينارٍ إنْسانًا، ثُمَّ طَلَبَ مِنهُ مُشْطًا يُساوِي فَلْسًا فَأعْطاهُ، سَقَطَ حَقُّ الرُّجُوعِ فَهَهُنا لَمّا قالَ:﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ طَلَبَ مِنهُ الصَّلاةَ والنَّحْرَ، وفائِدَتُهُ إسْقاطُ حَقِّ الرُّجُوعِ.

الفائِدَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ بَنى الفِعْلَ عَلى المُبْتَدَأِ، وذَلِكَ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّكَ لَمّا ذَكَرْتَ الِاسْمَ المُحَدَّثَ عَنْهُ عَرَفَ العَقْلُ أنَّهُ يُخْبِرُ عَنْهُ بِأمْرٍ فَيَصْبِرُ مُشْتاقًا إلى مَعْرِفَةِ أنَّهُ بِماذا يُخْبِرُ عَنْهُ، فَإذا ذَكَرَ ذَلِكَ الخَبَرَ قَبِلَهُ قَبُولَ العاشِقِ لِمَعْشُوقِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أبْلَغَ في التَّحْقِيقِ ونَفْيِ الشُّبْهَةِ ومِن هَهُنا تَعْرِفُ الفَخامَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾[الحج: ٤٦] فَإنَّهُ أكْثَرُ فَخامَةً مِمّا لَوْ قالَ: فَإنَّ الأبْصارَ لا تَعْمى، ومِمّا يُحَقِّقُ قَوْلَنا قَوْلُ المَلِكِ العَظِيمِ لِمَن يَعِدُهُ ويَضْمَنُ لَهُ: أنا أُعْطِيكَ، أنا أكْفِيكَ، أنا أقُومُ بِأمْرِكَ، وذَلِكَ إذا كانَ المَوْعُودُ بِهِ أمْرًا عَظِيمًا قَلَّما تَقَعُ المُسامَحَةُ بِهِ فَعِظَمُهُ يُورِثُ الشَّكَّ في الوَفاءِ بِهِ، فَإذا أُسْنِدَ إلى المُتَكَفِّلِ العَظِيمِ، فَحِينَئِذٍ يَزُولُ ذَلِكَ الشَّكُّ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا البابِ لِأنَّ الكَوْثَرَ شَيْءٌ عَظِيمٌ، قَلَّما تَقَعُ المُسامَحَةُ بِهِ، فَلَمّا

صفحة ١١٥

قَدَّمَ المُبْتَدَأ، وهو قَوْلُهُ: (إنّا) صارَ ذَلِكَ الإسْنادُ مُزِيلًا لِذَلِكَ الشَّكِّ ودافِعًا لِتِلْكَ الشُّبْهَةِ.

الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ تَعالى صَدَّرَ الجُمْلَةَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ الجارِي مُجْرى القَسَمِ، وكَلامُ الصّادِقِ مَصُونٌ عَنِ الخُلْفِ، فَكَيْفَ إذا بالَغَ في التَّأْكِيدِ ؟

الفائِدَةُ السّابِعَةُ: قالَ: (أعْطَيْناكَ) ولَمْ يَقُلْ: سَنُعْطِيكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أعْطَيْناكَ) يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الإعْطاءَ كانَ حاصِلًا في الماضِي، وهَذا فِيهِ أنْواعٌ مِنَ الفَوائِدِ:

إحْداها: أنَّ مَن كانَ في الزَّمانِ الماضِي أبَدًا عَزِيزًا مَرْعِيَّ الجانِبِ مَقْضِيَّ الحاجَّةِ أشْرَفُ مِمَّنْ سَيَصِيرُ كَذَلِكَ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «كُنْتُ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الماءِ والطِّينِ» .

وثانِيها: أنَّها إشارَةٌ إلى أنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِالإسْعادِ والإشْقاءِ والإغْناءِ والإفْقارِ، لَيْسَ أمْرًا يَحْدُثُ الآنَ، بَلْ كانَ حاصِلًا في الأزَلِ.

وثالِثُها: كَأنَّهُ يَقُولُ: إنّا قَدْ هَيَّأْنا أسْبابَ سَعادَتِكَ قَبْلَ دُخُولِكَ في الوُجُودِ فَكَيْفَ نُهْمِلُ أمْرَكَ بَعْدَ وُجُودِكَ واشْتِغالِكَ بِالعُبُودِيَّةِ ؟ .

ورابِعُها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: نَحْنُ ما اخْتَرْناكَ وما فَضَّلْناكَ، لِأجْلِ طاعَتِكَ، وإلّا كانَ يَجِبُ أنْ لا نُعْطِيَكَ إلّا بَعْدَ إقْدامِكَ عَلى الطّاعَةِ، بَلْ إنَّما اخْتَرْناكَ بِمُجَرَّدِ الفَضْلِ والإحْسانِ مِنّا إلَيْكَ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ، وهو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «قَبِلَ مَن قَبِلَ لا لِعِلَّةٍ، ورَدَّ مَن رَدَّ لا لِعِلَّةٍ» .

* * *

الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: قالَ: (أعْطَيْناكَ) ولَمْ يَقُلْ أعْطَيْنا الرَّسُولَ أوِ النَّبِيَّ أوِ العالِمَ أوِ المُطِيعَ؛ لِأنَّهُ لَوْ قالَ ذَلِكَ لَأشْعَرَ أنَّ تِلْكَ العَطِيَّةَ وقَعَتْ مُعَلَّلَةً بِذَلِكَ الوَصْفِ، فَلَمّا قالَ: (أعْطَيْناكَ) عُلِمَ أنَّ تِلْكَ العَطِيَّةَ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ بِعِلَّةٍ أصْلًا بَلْ هي مَحْضُ الِاخْتِيارِ والمَشِيئَةِ، كَما قالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا﴾[الزخرف: ٣٢]، ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ﴾[الحج: ٧٥] .

الفائِدَةُ التّاسِعَةُ: قالَ أوَّلًا: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ﴾ ثُمَّ قالَ ثانِيًا: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إعْطاءَهُ لِلتَّوْفِيقِ والإرْشادِ سابِقٌ عَلى طاعاتِنا، وكَيْفَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ وإعْطاؤُهُ إيّانا صِفَتُهُ، وطاعَتُنا لَهُ صِفَتُنا، وصِفَةُ الخَلْقِ لا تَكُونُ مُؤَثِّرَةً في صِفَةِ الخالِقِ إنَّما المُؤَثِّرُ هو صِفَةُ الخالِقِ في صِفَةِ الخَلْقِ، ولِهَذا نُقِلَ عَنِ الواسِطِيِّ أنَّهُ قالَ: لا أعْبُدُ رَبًّا يُرْضِيهِ طاعَتِي ويُسْخِطُهُ مَعْصِيَتِي، ومَعْناهُ