< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah108
Al-Kawthar (108)
Abundance, makkah, 3 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ:
أوَّلُها: الدَّناءَةُ واللُّؤْمُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾[الماعون: ٣] .
وثانِيها: تَرْكُ تَعْظِيمِ الخالِقِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾[الماعون: ٥] .
وثالِثُها: تَرْكُ انْتِفاعِ الخَلْقِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾[الماعون: ٦] .
* * *
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا شَرَّفَهُ في هَذِهِ السُّوَرِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ العَظِيمَةِ، قالَ بَعْدَها: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ أيْ: إنّا أعْطَيْناكَ هَذِهِ المَناقِبَ المُتَكاثِرَةَ المَذْكُورَةَ في السُّوَرِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي كُلُّ واحِدَةٍ مِنها أعْظَمُ مِن مُلْكِ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها، فاشْتَغِلْ أنْتَ بِعِبادَةِ هَذا الرَّبِّ، وبِإرْشادِ عِبادِهِ إلى ما هو الأصْلَحُ لَهم، أمّا عِبادَةُ الرَّبِّ فَإمّا بِالنَّفْسِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ وإمّا بِالمالِ، وهو قَوْلُهُ: (وانْحَرْ) وأمّا إرْشادُ عِبادِهِ إلى ما هو الأصْلَحُ لَهم في دِينِهِمْ ودُنْياهم، فَهو قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾[الكافرون: ٢] فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كالتَّتِمَّةِ لِما قَبْلَها مِنَ السُّورِ، وأمّا أنَّها كالأصْلِ لِما بَعْدَها، فَهو أنَّهُ تَعالى يَأْمُرُهُ بَعْدَ هَذِهِ السُّورَةِ بِأنْصفحة ١١٣
يُكَفِّرَ جَمِيعَ أهْلِ الدُّنْيا بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ عَسْفَ النّاسِ عَلى مَذاهِبِهِمْ وأدْيانِهِمْ أشَدُّ مِن عَسْفِهِمْ عَلى أرْواحِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم يَبْذُلُونَ أمْوالَهم وأرْواحَهم في نُصْرَةِ أدْيانِهِمْ، فَلا جَرَمَ كانَ الطَّعْنُ في مَذاهِبِ النّاسِ يُثِيرُ مِنَ العَداوَةِ والغَضَبِ ما لا يُثِيرُ سائِرُ المَطاعِنِ، فَلَمّا أمَرَهُ بِأنْ يُكَفِّرَ جَمِيعَ أهْلِ الدُّنْيا، ويُبْطِلَ أدْيانَهم لَزِمَ أنْ يَصِيرَ جَمِيعُ أهْلِ الدُّنْيا في غايَةِ العَداوَةِ لَهُ، وذَلِكَ مِمّا يَحْتَرِفُ عَنْهُ كُلُّ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ فَلا يَكادُ يُقْدِمُ عَلَيْهِ، وانْظُرْ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَيْفَ كانَ يَخافُ مِن فِرْعَوْنَ وعَسْكَرِهِ، وأمّا هَهُنا فَإنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ مَبْعُوثًا إلى جَمِيعِ أهْلِ الدُّنْيا، كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخَلْقِ، كَفِرْعَوْنَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَدَبَّرَ تَعالى في إزالَةِ هَذا الخَوْفِ الشَّدِيدِ تَدْبِيرًا لَطِيفًا، وهو أنَّهُ قَدَّمَ عَلى تِلْكَ السُّورَةِ، هَذِهِ السُّورَةَ فَإنَّ قَوْلَهُ: (﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ يُزِيلُ عَنْهُ ذَلِكَ الخَوْفَ مِن وُجُوهٍ:أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ أيِ الخَيْرَ الكَثِيرَ في الدُّنْيا والدِّينِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وعْدًا مِنَ اللَّهِ إيّاهُ بِالنُّصْرَةِ والحِفْظِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾[الأنفال: ٦٤] وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾[المائدة: ٦٧] وقَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾[التوبة: ٤٠] ومَن كانَ اللَّهُ تَعالى ضامِنًا لِحِفْظِهِ، فَإنَّهُ لا يَخْشى أحَدًا.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ وهَذا اللَّفْظُ يَتَناوَلُ خَيْراتِ الدُّنْيا وخَيْراتِ الآخِرَةِ، وأنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا ما كانَتْ واصِلَةً إلَيْهِ حِينَ كانَ بِمَكَّةَ، والخُلْفُ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَوَجَبَ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى إبْقاؤُهُ في دارِ الدُّنْيا إلى حَيْثُ يَصِلُ إلَيْهِ تِلْكَ الخَيْراتُ، فَكانَ ذَلِكَ كالبِشارَةِ لَهُ والوَعْدِ بِأنَّهم لا يَقْتُلُونَهُ، ولا يَقْهَرُونَهُ، ولا يَصِلُ إلَيْهِ مَكْرُهم بَلْ يَصِيرُ أمْرُهُ كُلَّ يَوْمٍ في الِازْدِيادِ والقُوَّةِ.
وثالِثُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَفَّرَهم وزَيَّفَ أدْيانَهم ودَعاهم إلى الإيمانِ اجْتَمَعُوا عِنْدَهُ، وقالُوا: إنْ كُنْتَ تَفْعَلُ هَذا طَلَبًا لِلْمالِ فَنُعْطِيكَ مِنَ المالِ ما تَصِيرُ بِهِ أغْنى النّاسِ، وإنْ كانَ مَطْلُوبُكَ الزَّوْجَةَ نُزَوِّجُكَ أكْرَمَ نِسائِنا، وإنْ كانَ مَطْلُوبُكَ الرِّياسَةَ فَنَحْنُ نَجْعَلُكَ رَئِيسًا عَلى أنْفُسِنا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ أيْ لَمّا أعْطاكَ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلا تَغْتَرَّ بِمالِهِمْ ومُراعاتِهِمْ.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ يُفِيدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَكَلَّمَ مَعَهُ لا بِواسِطَةٍ، فَهَذا يَقُومُ مَقامَ قَوْلِهِ: