< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


تحقق خطاب الكافر بالحرمة، وتعليقه بفعل المرأة دون فعل الرجل: يأباه نظم الآية، فانه نفى الحل من الجهتين جميعا ولو كان كذلك، لكفى قوله وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ والتحقيق الممتحن على قواعد الأصول: هو ما نذكره إن شاء الله تعالى فنقول: كل من فعلى المؤمنة والكافر ينفى عنه الحل بالتفسير اللائق، فأما فعل المؤمنة وهو التمكين فلا شك في تعلق الحرمة للشرع. باعتبار أنها مخاطبة بأن لا يحصل في الوجود على وجه لو حصل لكانت متوعدة على حصوله وأما فعل الكافر وهو الوطء مثلا، فمنفى حله باعتبار أن الشرع قصد إلى أن لا يحصل الوطء، لما يشتمل عليه من المفسدة، وللشرع قصد في أن لا تقع المفاسد، وليس الكافر موردا للخطاب، ولكن الأئمة مثلا أو من يقوم مقامهم. مخاطبون بأن يمنعوا الكافر كى لا يقع هذا الفعل المنطوى على المفسدة في نظر الشرع، فكلا الفعلين إذا من جانب المرأة والرجل غرض في أن لا يقع، لكن مورد الخطاب المنطوى على السلامة من المفسدة في حق المرأة هي وفي حق الكافر الأئمة مثلا، ويتفق المختلفون فيه في خطاب الكفار على أن للشرع غرضا في أن لا تحصل المفاسد في الوجود. ألا ترى أن الكافر إذا جهر بالفساد بين المسلمين يتفق على وجوب ردعه عن ذلك ومنعه عنه، وما ذاك إلا لما فهم عن الشرع من طلب سلامة الوجود عن المفاسد، ومورد الخطاب يردع الكافر كى لا يجهر بالفساد يعم الأئمة، والله الموفق.]] وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وأعطوا أزواجهنّ مثل ما دفعوا إليهنّ من المهور، وذلك أن صلح الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة ردّ إليهم، ومن أتى منكم مكة لم يردّ إليكم، وكتبوا بذلك كتابا وختموه، فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة والنبي ﷺ بالحديبية، فأقبل زوجها مسافر المخزومي. وقيل صيفي بن الراهب فقال: يا محمد، اردد علىّ امرأتى فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف، فنزلت بيانا لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء [[هكذا ذكره البغوي عن ابن عباس بغير سند.]] . وعن الضحاك: كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين عهد:

أن لا تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن تردّ على زوجها الذي أنفق عليها، وللنبي ﷺ من الشرط مثل ذلك. وعن قتادة: ثم نسخ هذا الحكم وهذا العهد براءة، فاستحلفها رسول الله ﷺ فحلفت، فأعطى زوجها ما أنفق وتزوّجها عمر. فإن قلت: كيف سمى الظنّ علما في قوله فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ؟

قلت: إيذانا بأن الظن الغالب وما يفضى إليه الاجتهاد والقياس جار مجرى العلم، وأن صاحبه غير داخل في قوله وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فإن قلت: فما فائدة قوله اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ وذلك معلوم لا شبهة فيه؟ قلت: فائدته بيان أن لا سبيل لكم إلى ما تطمئن به النفس ويثلج به الصدر من الإحاطة بحقيقة إيمانهن، فإنّ ذلك مما استأثر به علام الغيوب، وأن ما يؤدى إليه الامتحان من العلم كاف في ذلك، وأن تكليفكم لا يعدوه، ثم نفى عنهم الجناح في تزوّج هؤلاء المهاجرات إذا آتوهنّ أجورهنّ أى مهورهنّ، لأن المهر أجر البضع، ولا يخلو إما أن يراد بها ما كان يدفع إليهنّ ليدفعنه إلى أزواجهنّ فيشترط في إباحة تزوجهنّ تقديم أدائه، وإما