< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


جعل صدري محيطا بالمعاني الغريبة، ويحتمل أن «ما» يدل من درى.

وأجن: فعل ماض صلة أو صفة له، ومؤادى: قلبي أو عقلى. يسرى: يسير ليلا. أى: يبيت فكرى كأنه ذاهب مع العفاريت بأرض فضاء لا نبات بها، لا بعاده في المعاني. والبيت الثاني بيان للأول.]] ، كأنه قال: وشعري ما انتهى إليك وسمعت بفصاحته وبراعته، وقد جعل السابقون تأكيدا. وأولئك المقرّبون:

خبرا وليس بذاك. ووقف بعضهم على: والسابقون، وابتدأ السابقون أولئك المقرّبون، والصواب أن يوقف على الثاني، لأنه تمام الجملة، وهو في مقابلة: ما أصحاب الميمنة، وما أصحاب المشأمة الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ الذين قربت درجاتهم في الجنة من العرش وأعليت مراتبهم.

وقرئ: في جنة النعيم. والثلة: الأمة من الناس الكثيرة. قال:

وجاءت إليهم ثلّة خندفيّة ... بجيش كتيّار من السّيل مزبد [[وجاءت إليهم ثلة خندفية ... بحيش كتيار من السيل مزيد

يقول: وجاءت اليهم جماعة من الناس منسوبة إلى خندف امرأة إلياس بن مضر. وقوله «يجيش» من باب التجريد، كأنه انتزع من الثلة جيشا غيرها مبالغة في الكثرة. ويحتمل أن الباء بمعنى مع، أو في، لان الجيش أوسع من الثلة، وهو من جاش إذا تحرك واضطرب، كأنه يغلى، والتيار: الماء الشديد الجري، ومن بيانية أو تبعيضية. والمزيد: المرتفع زبده على وجهه لكثرته وفوراته.]]

وقوله عز وجل وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ كفى به دليلا على الكثرة، وهي من الثل وهو الكسر، كما أنّ الأمّة من الأمّ وهو الشج، كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم. والمعنى: أنّ السابقين من الأوّلين كثير، وهم الأمم من لدن آدم عليه السلام إلى محمد ﷺ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ وهم أمّة محمد ﷺ. وقيل مِنَ الْأَوَّلِينَ من متقدّمى هذه الأمة، ومِنَ الْآخِرِينَ من متأخريها. وعن النبي ﷺ: «الثلثان جميعا من أمّتى» [[أخرجه الطبري وابن عدى من رواية أبان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال قال رسول الله ﷺ «هما جميعا من أمتى» وأبان هو ابن أبى عياش متروك. ورواه إسحاق وسنده إلى الطيالسي وإبراهيم الحربي والطبراني من رواية زيد بن صهبان عن أبى بكرة مرفوعا وموقوفا. والموقوف أولى بالصواب. وعلى ضعيف.]] . فإن قلت: كيف قال: وقليل من الآخرين، ثم قال: وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟ قلت: هذا في السابقين وذلك في أصحاب اليمين، وأنهم يتكاثرون من الأولين والآخرين جميعا.

فإن قلت: فقد روى أنها لما نزلت شق ذلك على المسلمين، فما زال رسول الله ﷺ يراجع ربه حتى نزلت ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ. قلت: هذا لا يصح لأمرين، أحدهما: أنّ هذه الآية واردة في السابقين ورودا ظاهرا، وكذلك الثانية في أصحاب [[قوله «وكذلك الثانية في أصحاب اليمين» أى ظاهرة الورود. (ع)]] اليمين.

ألا ترى كيف عطف أصحاب اليمين ووعدهم، على السابقين ووعدهم، والثاني: أنّ النسخ في الأخبار غير جائز. وعن الحسن رضى الله عنه: سابقو الأمم أكثر من سابقي أمّتنا، وتابعو الأمم مثل تابعي هذه الأمّة. وثلة: خبر مبتدإ محذوف، أى: هم ثلة مَوْضُونَةٍ مرمولة بالذهب، [[قوله «مرمولة بالذهب» في الصحاح: رملت الحصير، أى: سففته. وفيه أيضا: سففت الخوص: أى نسجته. (ع)]] مشبكة بالدرّ والياقوت، قد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع.

قال الأعشى:

ومن نسج داود موضونة [[ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحي عيرا فعيرا

للأعشى، يصف الدروع،