< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


مذهب المعتزلة من أن إرادة الله الفعل من العبد بمعنى الأمر. وأما مذهب أهل السنة فكل ما أراده الله كان، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، وتحقيقه في علم التوحيد. (ع)]] للعبادة منهم لكانوا كلهم عبادا؟ قلت: إنما أراد منهم أن يعبدوه مختارين للعبادة لا مضطرين إليها، لأنه خلقهم ممكنين، فاختار بعضهم ترك العبادة مع كونه مريدا لها، ولو أرادها على القسر والإلجاء لوجدت من جميعهم.

يريد: أنّ شأنى مع عبادي ليس كشأن السادة مع عبيدهم، فإنّ ملاك العبيد إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم وأرزاقهم، فإمّا مجهز في تجارة ليفي ربحا. أو مرتب في فلاحة ليعتلّ أرضا. أو مسلم في حرفة لينتفع بأجرته. أو محتطب. أو محتش. أو طابخ. أو خابز، وما أشبه ذلك من الأعمال والمهن التي هي تصرف في أسباب المعيشة وأبواب الرزق، فأمّا مالك ملك العبيد وقال لهم: اشتغلوا بما يسعدكم في أنفسكم، ولا أريد أن أصرفكم في تحصيل رزقي ولا رزقكم، وأنا غنىّ عنكم وعن مرافقكم، ومتفضل عليكم برزقكم وبما يصلحكم ويعيشكم من عندي، فما هو إلا أنا وحدي الْمَتِينُ الشديد القوة. قرئ بالرفع صفة لذو، وبالجر صفة للقوّة على تأويل الاقتدار، والمعنى في وصفه بالقوة والمتانة: أنه القادر البليغ الاقتدار على كل شيء. وقرئ:

الرازق. وفي قراءة النبي ﷺ: إنى أنا الرازق.

الذنوب: الدلو العظيمة، وهذا تمثيل، أصله في السقاة يتقسمون الماء فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب. قال:

لنا ذنوب ولكم ذنوب ... فإن أبيتم فلنا القليب [[إنا إذا شاربنا شريب ... له ذنوب ولنا ذنوب

فان أبى كان له القليب

الشريب من يشرب معك. والذنوب: الدلو الممتلئة ماء، والنصيب من الماء. والذنابة: مسيل الماء. والقلب البئر لقلب ترابه. يقول: إنا كرام نشاطر شريبنا، فان لم يرض بالمناوبة أعطيناه الجميع. وروى بدل المصراعين

الأخيرين: لنا ذنوب ولكم ذنوب ... فان أبيتم فلنا القليب

ولعل الصواب: فان أبى أو فان أبيتم فلنا، لئلا ينكر البيت. والمعنى: نقول لمن يشرب معنا ذلك، ففيه دلالة على الشجاعة والغلبة. والشريب كالعشير: يطلق على الواحد والمتعدد.]]

ولما قال عمرو بن شاس:

وفي كل حى قد خبطت بنعمة ... فحقّ لشاس من نداك ذنوب [[وأفت الذي آثاره في عدوه ... من البؤس والنعمى لهن ندوب

وفي كل حى قد خبطت بنعمة ... فحق لشاس من نداك ذنوب

لشاس أخى علقمة بن عبيدة، يخاطب الحرث بن أبى شمر الغساني وكان أسيرا عنده. والندوب- في الأصل-:

آثار الجراح بعد برئها. ومن بيانية، أى: آثاره التي هي البؤس والنعمى. أو ابتدائية، أى: الناشئة منهما، لهن بقايا في عدوه. والبؤس: الشدة، والنعمى: الرخاء. والخابط: الذي يخبط مواضع الفقراء يتفقد أحوالهم من غير تخصيص، ثم قيل لكل طالب: خابط ومختبط. ويجوز أن يكون من قولهم: خبط الشجرة، ليسقط ورقها للإبل والغنم فاستعار في نفسه الورق للأموال، والخبط تخييل والمعنى أنه شجاع كريم، بأسه أوهن الأعداء ونعمته ظهرت عليهم بل على جميع الناس وشاس من وضع الظاهر موضع المضمر لإظهار المسكنة والاستعطاف:

قيل: إن القائل عمرو بن شاس، فوضع الظاهر في موضعه. ولما سمع الحرث ذلك قال: نعم وأذنبته، وكسا شاسا ومن معه، وأركبهم وأطلقهم، ولما استعار الندى للعطاء رشح ذلك بالذنوب: وهو الدلو الممتلئة.]]

قال الملك: نعم وأذنبه. والمعنى: فإنّ الذين ظلموا رسول الله ﷺ بالتكذيب من أهل مكة لهم نصيب من عذاب