< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


نص كلامه.]] وكان بعض نحويي البصرة يقول: نصبت"لام""ليجمعنكم"، لأن معنى:"كتب" [: فرضَ، وأوجب، وهو بمعنى القسم] ، [[الزيادة التي بين القوسين، استظهرتها من سياق التفسير، ليستقيم الكلام. وهي ساقطة من المخطوطة والمطبوعة.]] كأنه قال: والله ليجمعنكم.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أن يكون قوله:"كتب على نفسه الرحمة"، غايةً، وأن يكون قوله:"ليجمعنكم"، خبرًا مبتدأ = ويكون معنى الكلام حينئذ: ليجمعنكم الله، أيها العادلون بالله، ليوم القيامة الذي لا ريب فيه، لينتقم منكم بكفركم به.

وإنما قلت: هذا القول أولى بالصواب من إعمال"كتب" في"ليجمعنكم"، لأن قوله:"كتب" قد عمل في الرحمة، فغير جائز، وقد عمل في"الرحمة"، أن يعمل في"ليجمعنكم"، لأنه لا يتعدَّى إلى اثنين.

* *

فإن قال قائل: فما أنت قائل في قراءة من قرأ: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ، [سورة الأنعام: ٥٤] بفتح"أنّ"؟

قيل: إن ذلك إذ قرئ كذلك، فإن"أنّ" بيانٌ عن"الرحمة"، وترجمة عنها. لأن معنى الكلام: كتب على نفسه الرحمة أن يرحم [من تاب] من عباده بعد اقتراف السوء بجهالة ويعفو، [[هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها حتى يستقيم الكلام، استظهرتها من معنى الآية. وانظر ما سيأتي في تفسيرها ص: ٣٩٢، ٣٩٣.]] و"الرحمة"، يترجم عنها ويبيَّن معناها بصفتها. وليس من صفة الرحمة"ليجمعنكم إلى يوم القيامة"، فيكون مبينًا به عنها. فإذ كان ذلك كذلك، فلم يبق إلا أن تنصب بنية تكرير"كتب" مرة أخرى معه، ولا ضرورة بالكلام إلى ذلك، فيوجَّه إلى ما ليس بموجود في ظاهره.

وأما تأويل قوله:"لا ريب فيه"، فإنه لا شك فيه، [[انظر تفسير"الريب" فيما سلف ٨: ٥٩٢، تعليق: ٥، والمراجع هناك.]] يقول: في أنّ الله يجمعكم إلى يوم القيامة، فيحشركم إليه جميعًا، ثم يؤتى كلَّ عامل منكم أجرَ ما عمل من حسن أو سيئ.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"الذين خسروا أنفسهم"، العادلين به الأوثانَ والأصنامَ. يقول تعالى ذكره: ليجمعن الله ="الذين خسروا أنفسهم"، يقول: الذين أهلكوا أنفسهم وغبنوها بادعائهم لله الندَّ والعَدِيل، فأوبقوها بإستيجابهم سَخَط الله وأليم عقابه في المعاد. [[في المطبوعة والمخطوطة "بإيجابهم سخط الله" وهو لا يستقيم صوابه ما أثبت.]]

* *

وأصل"الخسار"، الغُبْنُ. يقال منه": خسر الرجل في البيع"، إذا غبن، كما قال الأعشى:

لا يَأخُذُ الرِّشْوَةَ فِي حُكْمِهِ ... وَلا يُبَالِي خَسَرَ الخَاسِر [[ديوانه: ١٠٥، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٨٧. وهكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة"خسر الخاسر"، ورواية ديوانه وغيره: "غَبَنَ الْخَاسِر" بتحريك الباء بالفتح. والذي نص عليه أصحاب اللغة أن"الغبن" بفتح وسكون، في البيع، وأن"الغبن" (بفتحتين) في الرأي، وهو ضعفه. فكأن ما جاء في رواية ديوان الأعشى، ضرورة، حركت الباء وهي ساكنة إلى الفتح. وأما رواية أبي جعفر، فهي على الصواب يقال: "خسر خسرًا (بفتح فسكون) ، وخسرًا (بفتحتين) ."

وهذا البيت من قصيدته في هجاء علقمة بن علاثة ومدح عامر بن الطفيل، ذكرت خبرها في أبيات سلفت منها ١: ٤٧٤/٢: ١٣١/٥: ٤٧٧، ٤٧٨. وقبل البيت: حَكَّمْتُمُونِي، فَقَضَى بَيْنَكُمْ ... أَبْلَجُ مِثْلُ القَمَرِ البَاهِرِ]]

وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته. [[انظر تفسير"الخسار" فيما سلف ١٠: ٤٠٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

* *

وموضوع"الذين" في قوله:"الذين خسروا أنفسهم"، نصبٌ على الرد على"الكاف والميم" في قوله:"ليجمعنكم"، على وجه البيان عنها. وذلك أنّ الذين خسروا أنفسهم،