< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


البيت قاتلناه ؛ فقال النبيّ ﷺ: فَروّحُوا إذًا؛ وكان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحدا قطّ كان أكثر مُشاورة لأصحابه من النبيّ ﷺ، فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبيّ ﷺ: إنَّ خالدَ بنَ الوَلِيدِ بالغَمِيم في خَيْل لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً، فخُذُوا ذَاتَ الْيمِينِ، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقُتْرة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النبيّ ﷺ، حتى إذا كان بالثنية التي يُهْبط عليهم منها، بركت به راحلته؛ فقال الناس: حَلْ حَلْ، [[حل حل: زجر للإبل وحث لها لتسير.]] فقال: ما حَلْ؟ فقالوا: خَلأتِ القَصْواء، [[خلأت الناقة تخلأ (كفتح) : وقفت عن السير. والخلاء في الإبل: كالحران في الخيل (اللسان: خلأ) .]] فقال النبيّ ﷺ: ما خَلأتْ ومَا ذَاكَ لَهَا بخُلُقٍ، ولَكِنَّها حَبَسَها حابِسُ الفِيل، ثم قال: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَسألُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ بِها حُرُماتِ اللهِ إلا أعْطَيْتُهُمْ إيَّاها، ثم زُجِرت فوثبت فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحُديبية على ثمد قليل الماء، إنما يتبرّضه الناس تبرّضا، فلم يلبث الناس أن نزحوه، فشُكِي إلى رسول الله ﷺ العطش، فنزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرِّيّ حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك جاء بُدَيل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خُزاعة، وكانوا عَيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لُؤَيّ، وعامر بن لُؤَيّ، قد نزلوا أعداد مياه الحُديبية معهم العوْذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، فقال النبيّ ﷺ: "إنَّا لَمْ نأْتِ لِقِتالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنا مُعْتَمِرِينَ، وَإنَّ قُرَيْشا قَدْ نَهَكَتْهُمُ الحَرْبُ، وأَضَرَّتْ بِهمْ، فإنْ شاءُوا مادَدْناهُمْ مُدَّةً، ويُخْلُوا بَيْنِي وَبَينَ النَّاسِ، فإنْ أظْهَرَ فإنْ شاءوا أنْ يَدْخُلُوا فيما دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإلا فَقَدْ جَمُّوا وَإنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لأقاتِلنَّهُمْ عَلى أمْرِي هَذَا حتى تَنْفَرِدَ سالِفَتي، أوْ لَيُنْفِذَن الله أمْرَهُ فقال بديل: سنبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا، فقال: إنا جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا؛ قال سفهاؤهم: لا حاجة لنا في أن تحدّثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته؛ يقول: قال سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبيّ ﷺ، فقام عُروة بن مسعود الثقفي، فقال: أيْ قوم، ألستم بالولد؟ قالوا: بلى؛ قال: أولست بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: فهل أنتم تتهموني؟ قالوا: لا قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلحوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى؛ قال: فإن هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آته؛ فقالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبيّ ﷺ، فقال النبيّ ﷺ نحوا من مقالته لبُديل؛ فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت قومك، فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأوباشا من الناس خليقا أن يفرّوا ويدعوك، فقال أبو بكر: امصُصْ بظر اللات، واللاتُ: طاغية ثقيف الذي كانوا يعبدون، أنحن نفرّ وندعه؟ فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو بكر، فقال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك ؛ وجعل يكلم النبيّ ﷺ، فكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبيّ ومعه السيف، وعليه المغفر؛ فكلما أهوى عروة إلى لحية رسول الله ﷺ، ضرب يده بنصل السيف، وقال: أخِّر