< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أنكم إنما تعبدونها، لتقرّبكم إلى الله زلفى، لأغنت عمن كان قبلكم من الأمم التي أهلكتها بعبادتهم إياها، فدفعت عنها العذاب إذا نزل، أو لشفعت لهم عند ربهم، فقد كانوا من عبادتها على مثل الذي عليه أنتم، ولكنها ضرتهم ولم تنفعهم.

يقول تعالى ذكره: ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ يقول: بل تركتهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها، فأخذت غير طريقهم، لأن عبدتها هلكت، وكانت هي حجارة أو نحاسا، فلم يصبها ما أصابهم ودعوها، فلم تجبهم، ولم تغثهم، وذلك ضلالها عنهم، وذلك إفكهم، يقول عزّ وجلّ هذه الآلهة التي ضلَّت عن هؤلاء الذين كانوا يعبدونها من دون الله عند نزول بأس الله بهم، وفي حال طمعهم فيها أن تغيثهم، فخذلتهم، هو إفكهم: يقول: هو كذبهم الذي كانوا يكذّبون، ويقولون به هؤلاء آلهتنا وما كانوا يفترون، يقول: وهو الذي كانوا يفترون، فيقولون: هي تقرّبنا إلى الله زُلفى، وهي شفعاؤنا عند الله. وأخرج الكلام مخرج الفعل، والمعنيّ المفعول به، فقيل: وذلك إفكهم، والمعنيّ فيه: المأفوك به لأن الإفك إنما هو فعل الآفك، والآلهة مأفوك بها. وقد مضى البيان عن نظائر ذلك قبل، قال: وكذلك قوله ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .

واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ فقرأته عامة قرّاء الأمصار، وذلك إفكهم بكسر الألف وسكون الفاء وضم الكاف بالمعنى الذي بيَّنا.

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في ذلك ما:-

⁕ حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن عوف، عمن حدثه، عن ابن عباس، أنه كان يقرؤها ﴿وَذَلِكَ أَفْكُهُمْ﴾ يعني بفتح الألف والكاف وقال: أضلهم. فمن قرأ القراءة الأولى التي عليها قرّاء الأمصار، فالهاء والميم في موضع خفض. ومن قرأ هذه القراءة التي ذكرناها عن ابن عباس فالهاء والميم في موضع نصب، وذلك أن معنى الكلام على ذلك، وذلك صرفهم عن الإيمان بالله.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا، القراءة التي عليها قراءة الأمصار لإجماع الحجة عليها.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) ﴾

يقول تعالى ذكره مقرّعا كفار قريش بكفرهم بما آمنت به الجنّ ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ ذكر أنهم صرفوا إلى رسول الله ﷺ بالحادث الذي حدث من رَجْمِهم بالشهب.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن زياد، عن سعيد بن جُبير، قال: "كانت الجن تستمع، فلما رُجِموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء لشيء حدث في الأرض، فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبيّ ﷺ خارجا من سوق عكاظ يصلي بأصحابه الفجر، فذهبوا إلى قومهم".

⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جُبير، قال: "ولما بعث النبيّ ﷺ حُرِست السماء، فقال الشيطان: ما حُرِست إلا لأمر قد حدث في الأرض فبعث سراياه في الأرض، فوجدوا النبيّ ﷺ قائما يصلي صلاة الفجر بأصحابه بنَخْلة، وهو يقرأ. فاستمعوا حتى إذا فرغ ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ... إلى قوله ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ ".

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾... إلى آخر الآية، قال: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى