< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ﴾ قال: هؤلاء المتهجدون لصلاة الليل.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ﴾ يقومون يصلون من الليل.

وقال آخرون: إنما هذه صفة قوم لا تخلو ألسنتهم من ذكر الله.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: اخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُم خَوْفا وَطَمَعا﴾ : وهم قوم لا يزالون يذكرون الله، إما في صلاة، وإما قياما، وإما قعودا، وإما إذا استيقظوا من منامهم، هم قوم لا يزالون يذكرون الله.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ ... ﴾ إلى آخر الآية، يقول: تتجافى لذكر الله، كلما استيقظوا ذكروا الله، إما في الصلاة، وإما في قيام، أو في قعود، أو على جنوبهم، فهم لا يزالون يذكرون الله.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله وصف هؤلاء القوم بأن جنوبهم تنبو عن مضاجعهم، شغلا منهم بدعاء ربهم وعبادته خوفا وطمعا، وذلك نبوّ جنوبهم عن المضاجع ليلا؛ لأن المعروف من وصف الواصف رجلا بأن جنبه نبا عن مضجعه، إنما هو وصف منه له بأنه جفا عن النوم في وقت منام الناس المعروف، وذلك الليل دون النهار، وكذلك تصف العرب الرجل إذا وصفته بذلك، يدلّ على ذلك قول عبد الله بن رواحة الأنصاري رضي الله عنه في صفة نبيّ الله ﷺ:

يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ ... إذا اسْتَثْقَلَت بالمُشْرِكِينَ المَضَاجِعُ [[البيت لعبد الله بن رواحة الأنصاري أحد شعراء النبي ﷺ. ويجافي: يباعد واستثقلت ثقلت: والمضاجع: جمع مضجع، وهو الفراش ينام فيه أو موضعه. والبيت شاهد ثاني على التجافي في قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) : معناه: تبعد. قال أبو عبيدة في مجازالقرآن (الورقة ١٩٥ - ب) : أي ترتفع عنها وتتنحى، لأنهم يصلون بالليل. اهـ.]]

فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره لم يخصص في وصفه هؤلاء القوم بالذي وصفهم به من جفاء جنوبهم عن مضاجعهم من أحوال الليل وأوقاته حالا ووقتا دون حال ووقت، كان واجبا أن يكون ذلك على كلّ آناء الليل وأوقاته. وإذا كان كذلك كان من صلى ما بين المغرب والعشاء، أو انتظر العشاء الآخرة، أو قام الليل أو بعضه، أو ذكر الله في ساعات الليل، أو صلى العتمة ممن دخل في ظاهر قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ﴾ لأن جنبه قد جفا عن مضجعه في الحال التي قام فيها للصلاة قائما صلى أو ذكر الله، أو قاعدا بعد أن لا يكون مضطجعا، وهو على القيام أو القعود قادر، غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن توجيه الكلام إلى أنه معني به قيام الليل أعجب إليّ؛ لأن ذلك أظهر معانيه، والأغلب على ظاهر الكلام، وبه جاء الخبر عن رسول الله ﷺ.

وذلك ما:-

⁕ حدثنا به ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت عروة بن الزبير يحدّث عن معاذ بن جبل، أن رسول الله ﷺ قال له: "ألا أدلُّكَ عَلى أبْواب