< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


اللَّهِ وَبِالْغَضَبِ لَهُ، فَتُؤْمَنُ هَوَادَتُهُمْ، وَلِأَنَّهُمْ أَشَدُّ خَلْقِ اللَّهِ بَأْسًا وَأَقْوَاهُمْ بَطْشًا.

(وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً) أَيْ بَلِيَّةً. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ قَالَ: ضَلَالَةٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، يُرِيدُ أَبَا جَهْلٍ وَذَوِيهِ. وَقِيلَ: إِلَّا عَذَابًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ. ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ [الذاريات: ١٤] أَيْ جَعَلْنَا ذَلِكَ سَبَبَ كُفْرِهِمْ وَسَبَبَ الْعَذَابِ. وَفِي تِسْعَةَ عَشَرَ سَبْعُ قِرَاءَاتٍ [[ورد في الأصول ست قراءات فقط ولعل السابعة قراءة سليمان بن قتة (تسعة أعشر) بضم التاء وهمزه مفتوحة وسكون العين وضم الشين وجر الراء. وتعقب السمين هذه القراءات فقال: (في هذه الكلمة قراءات شاذة وتوجيهات تشاكلها).]]: قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْقَعْقَاعِ وَطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ "تِسْعَةَ عْشَرَ" بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "تِسْعَةُ عَشَرَ" بِضَمِّ الْهَاءِ. وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ "تِسْعَةُ وَعَشَرْ" وَعَنْهُ أَيْضًا "تِسْعَةُ وَعَشْرٌ". وَعَنْهُ أَيْضًا "تِسْعَةُ أَعْشُرٍ" ذَكَرَهَا الْمَهْدَوِيُّ وَقَالَ: مَنْ قَرَأَ "تِسْعَةَ عْشَرَ" أَسْكَنَ الْعَيْنَ لِتَوَالِي الْحَرَكَاتِ. وَمَنْ قَرَأَ "تِسْعَةُ وَعَشَرْ" جَاءَ بِهِ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ التَّرْكِيبِ، وَعَطَفَ عَشْرًا عَلَى تِسْعَةٍ، وَحَذَفَ التَّنْوِينَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَأَسْكَنَ الرَّاءَ مِنْ عَشَرٍ عَلَى نِيَّةِ السُّكُوتِ عَلَيْهَا. وَمَنْ قَرَأَ "تِسْعَةُ عَشَرٍ" فَكَأَنَّهُ مِنَ التَّدَاخُلِ، كَأَنَّهُ أَرَادَ الْعَطْفَ وَتَرْكَ التَّرْكِيبِ، فَرَفَعَ هَاءَ التَّأْنِيثِ، ثُمَّ رَاجَعَ الْبِنَاءَ وَأَسْكَنَ. وَأَمَّا "تِسْعَةُ أَعْشُرٍ": فَغَيْرُ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ أَنْكَرَهَا أَبُو حَاتِمٍ. وَكَذَلِكَ "تِسْعَةُ وَعَشْرُ" لِأَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى "تِسْعَةِ أَعْشُرٍ" وَالْوَاوُ بَدَلٌ مِنَ الْهَمْزَةِ، وليس لذلك وجه عند النحويين. الزمخشري: وقرى: "تِسْعَةُ أَعْشُرٍ" جَمْعُ عَشِيرٍ، مِثْلَ يَمِينٍ وَأَيْمُنٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ أَيْ ليوفن الَّذِينَ أُعْطُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ أَنَّ عِدَّةَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ مُوَافِقَةٌ لِمَا عِنْدَهُمْ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمْ. ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يريد الذين آمنوا منهم كعبد الله بْنِ سَلَامٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُرِيدُ الْكُلَّ.

(وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً) بِذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ كُلَّمَا صَدَّقُوا بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ آمَنُوا، ثُمَّ ازْدَادُوا إِيمَانًا لِتَصْدِيقِهِمْ بِعَدَدِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. وَلا يَرْتابَ أَيْ وَلَا يَشُكَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أَيْ أُعْطُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ أَيِ الْمُصَدِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي أَنَّ عِدَّةَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ تِسْعَةَ عَشَرَ.

(وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أَيْ فِي صُدُورِهِمْ شَكٌّ وَنِفَاقٌ مِنْ مُنَافِقِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، الَّذِينَ يُنَجِّمُونَ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفَاقٌ وَإِنَّمَا نَجَمَ بِالْمَدِينَةِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى، أَيْ وَلِيَقُولَ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يَنْجُمُونَ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ. وَالْكافِرُونَ أَيِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى (مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا) يَعْنِي بِعَدَدِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: السُّورَةُ مَكِّيَّةُ وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفَاقٌ، فَالْمَرَضُ فِي هذه الآية الخلاف والْكافِرُونَ أَيْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَرَضِ: الشَّكُّ وَالِارْتِيَابُ، لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانَ أَكْثَرُهُمْ شَاكِّينَ، وَبَعْضُهُمْ قَاطِعِينَ بِالْكَذِبِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْهُمْ: مَاذَا أَرادَ اللَّهُ أَيْ مَا أَرَادَ بِهذا الْعَدَدِ الَّذِي ذَكَرَهُ حَدِيثًا، أَيْ مَا هَذَا مِنَ الْحَدِيثِ. قَالَ اللَّيْثُ: الْمَثَلُ الْحَدِيثُ، وَمِنْهُ: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ أَيْ حَدِيثِهَا وَالْخَبَرِ عَنْهَا كَذلِكَ أَيْ كَإِضْلَالِ اللَّهِ أَبَا جَهْلٍ وَأَصْحَابَهُ الْمُنْكِرِينَ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ يُضِلُّ اللَّهُ أَيْ يُخْزِي وَيُعْمِي مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي أَيْ وَيُرْشِدُ مَنْ يَشاءُ كَإِرْشَادِ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَقِيلَ: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ عَنِ الْجَنَّةِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهَا مَنْ يَشاءُ.

(وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) أَيْ وَمَا يَدْرِي عَدَدَ مَلَائِكَةِ رَبِّكَ الَّذِينَ خَلَقَهُمْ لِتَعْذِيبِ أَهْلِ النَّارِ إِلَّا هُوَ أَيْ إِلَّا اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. وَهَذَا