< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah098
Al-Bayyina (98)
The Evidence, madinah, 8 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
تَفَرَّقُوا فِيهِ، وقالَ كُلُّ واحِدٍ فِيهِ قَوْلًا آخَرَ رَدِيًّا ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى:﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾[البَقَرَةِ: ٨٩] والقَوْلُ المُخْتارُ في هَذِهِ الآيَةِ هو الأوَّلُ.
وفِي الآيَةِ وجْهٌ رابِعٌ وهو أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الكُفّارِ أنَّهم ما كانُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ إلى وقْتِ مَجِيءِ الرَّسُولِ، وكَلِمَةُ ”حَتّى“ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الحالُ بَعْدَ ذَلِكَ بِخِلافِ ما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ، والأمْرُ هَكَذا كانَ لِأنَّ ذَلِكَ المَجْمُوعَ ما بَقُوا عَلى الكُفْرِ بَلْ تَفَرَّقُوا فَمِنهم مَن صارَ مُؤْمِنًا، ومِنهم مَن صارَ كافِرًا، ولَمّا لَمْ يَبْقَ حالُ أُولَئِكَ الجَمْعِ بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ كَما كانَ قَبْلَ مَجِيئِهِ، كَفى ذَلِكَ في العَمَلِ بِمَدْلُولِ لَفْظِ حَتّى.
وفِيها وجْهٌ خامِسٌ: وهو أنَّ الكُفّارَ كانُوا قَبْلَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ مُنْفَكِّينَ عَنِ التَّرَدُّدِ في كُفْرِهِمْ بَلْ كانُوا جازِمِينَ بِهِ مُعْتَقِدِينَ حَقِيقَتَهُ، ثُمَّ زالَ ذَلِكَ الجَزْمُ بَعْدَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ، بَلْ بَقُوا شاكِّينَ مُتَحَيِّرِينَ في ذَلِكَ الدِّينِ وفي سائِرِ الأدْيانِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾[البَقَرَةِ: ٢١٣] والمَعْنى أنَّ الدِّينَ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ صارَ كَأنَّهُ اخْتَلَطَ بِلَحْمِهِمْ ودَمِهِمْ فاليَهُودِيُّ كانَ جازِمًا في يَهُودِيَّتِهِ وكَذا النَّصْرانِيُّ وعابِدُ الوَثَنِ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اضْطَرَبَتِ الخَواطِرُ والأفْكارُ وتَشَكَّكَ كُلُّ أحَدٍ في دِينِهِ ومَذْهَبِهِ ومَقالَتِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ مُشْعِرٌ بِهَذا لِأنَّ انْفِكاكَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ هو انْفِصالُهُ عَنْهُ، فَمَعْناهُ أنَّ قُلُوبَهم ما خَلَتْ عَنْ تِلْكَ العَقائِدِ وما انْفَصَلَتْ عَنِ الجَزْمِ بِصِحَّتِها، ثُمَّ إنَّ بَعْدَ المَبْعَثِ لَمْ يَبْقَ الأمْرُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكُفّارُ كانُوا جِنْسَيْنِ:أحَدُهُما: أهْلُ الكِتابِ كَفِرَقِ اليَهُودِ والنَّصارى وكانُوا كُفّارًا بِإحْداثِهِمْ في دِينِهِمْ ما كَفَرُوا بِهِ كَقَوْلِهِمْ: ”عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ“ و”المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ“ وتَحْرِيفِهِمْ كِتابَ اللَّهِ ودِينَهُ.
والثّانِي: المُشْرِكُونَ الَّذِينَ كانُوا لا يُنْسَبُونَ إلى كِتابٍ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الجِنْسَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى الإجْمالِ ثُمَّ أرْدَفَ ذَلِكَ الإجْمالَ بِالتَّفْصِيلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ وهَهُنا سُؤالانِ:
صفحة ٣٩
السُّؤالُ الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ أهْلَ الكِتابِ مِنهم كافِرٌ ومِنهم لَيْسَ بِكافِرٍ، وهَذا حَقٌّ، وأنَّ المُشْرِكِينَ مِنهم كافِرٌ ومِنهم لَيْسَ بِكافِرٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لَيْسَ بِحَقٍّ.والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: كَلِمَةُ ”مِن“ هَهُنا لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ بَلْ لِلتَّبْيِينِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾[الحَجِّ: ٣٠] .
وثانِيها: أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَعْضُهم مِن أهْلِ الكِتابِ وبَعْضُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، فَإدْخالُ كَلِمَةِ مِن لِهَذا السَّبَبِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿والمُشْرِكِينَ﴾ أيْضًا وصْفًا لِأهْلِ الكِتابِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّصارى مُثَلِّثَةٌ واليَهُودَ عامَّتُهم مُشَبِّهَةٌ، وهَذا كُلُّهُ شِرْكٌ، وقَدْ يَقُولُ القائِلُ: جاءَنِي العُقَلاءُ والظُّرَفاءُ يُرِيدُ بِذَلِكَ قَوْمًا بِأعْيانِهِمْ يَصِفُهم بِالأمْرَيْنِ.
وقالَ تَعالى: ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾[التَّوْبَةِ: ١١٢] وهَذا وصْفٌ لِطائِفَةٍ واحِدَةٍ، وفي القُرْآنِ مِن هَذا البابِ كَثِيرٌ، وهو أنْ يُنْعَتَ قَوْمٌ بِنُعُوتٍ شَتّى، يُعْطَفُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِواوِ العَطْفِ ويَكُونُ الكُلُّ وصْفًا لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ.
السُّؤالُ الثّانِي: المَجُوسُ هَلْ يَدْخُلُونَ في أهْلِ الكِتابِ ؟ قُلْنا: ذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّهم داخِلُونَ في أهْلِ الكِتابِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«سَنُوَلِّيهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» “ وأنْكَرَهُ الآخَرُونَ قالَ: لِأنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ مِنَ الكُفّارِ مَن كانَ في بِلادِ العَرَبِ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾