< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


هاتُوا الحُجَّةَ فَعَجَزُوا فَلَزِمَهُ اليَمِينُ بِأنَّهُ ما ودَّعَهُ وأنَّهُ ما قَلاهُ.

وثانِيها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: انْظُرُوا إلى جِوارِ اللَّيْلِ مَعَ النَّهارِ لا يَسْلَمُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ بَلِ اللَّيْلُ تارَةً يَغْلِبُ وتارَةً يُغْلَبُ، فَكَيْفَ تَطْمَعُ أنْ تَسْلَمَ عَلى الخَلْقِ ؟ !

السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ خُصَّ وقْتُ الضُّحى بِالذِّكْرِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِ النّاسِ وكَمالِ الأُنْسِ بَعْدَ الِاسْتِيحاشِ في زَمانِ اللَّيْلِ، فَبَشَّرُوهُ أنَّ بَعْدَ اسْتِيحاشِكَ بِسَبَبِ احْتِباسِ الوَحْيِ يَظْهَرُ ضُحى نُزُولِ الوَحْيِ.

وثانِيها: أنَّها السّاعَةُ الَّتِي كَلَّمَ فِيها مُوسى رَبَّهُ، وأُلْقِي فِيها السَّحَرَةُ سُجَّدًا، فاكْتَسى الزَّمانُ صِفَةَ الفَضِيلَةِ لِكَوْنِهِ ظَرْفًا، فَكَيْفَ فاعِلُ الطّاعَةِ ! وأفادَ أيْضًا أنَّ الَّذِي أكْرَمَ مُوسى لا يَدَعُ إكْرامَكَ، والَّذِي قَلَبَ قُلُوبَ السَّحَرَةِ حَتّى سَجَدُوا يَقْلِبُ قُلُوبَ أعْدائِكَ.

السُّؤالُ الرّابِعُ: ما السَّبَبُ في أنَّهُ ذَكَرَ الضُّحى وهو ساعَةٌ مِنَ النَّهارِ، وذَكَرَ اللَّيْلَ بِكُلِّيَّتِهِ ؟

الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ تَوازِي جَمِيعَ اللَّيْلِ كَما أنَّ مُحَمَّدًا إذا وُزِنَ يُوازِي جَمِيعَ الأنْبِياءِ.

والثّانِي: أنَّ النَّهارَ وقْتُ السُّرُورِ والرّاحَةِ، واللَّيْلَ وقْتُ الوَحْشَةِ والغَمِّ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ هُمُومَ الدُّنْيا أدْوَمُ مِن سُرُورِها، فَإنَّ الضُّحى ساعَةٌ واللَّيْلَ هَكَذا ساعاتٌ، يُرْوى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ العَرْشَ أظَلَّتْ غَمامَةٌ سَوْداءُ عَنْ يَسارِهِ، ونادَتْ ماذا أُمْطِرُ ؟ فَأُجِيبَتْ أنْ أمْطِرِي الهُمُومَ والأحْزانَ مِائَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ انْكَشَفَتْ فَأُمِرَتْ مَرَّةً أُخْرى بِذَلِكَ وهَكَذا إلى تَمامِ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أظَلَّتْ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ غَمامَةٌ بَيْضاءُ ونادَتْ: ماذا أُمْطِرُ ؟ فَأُجِيبَتْ أنْ أمْطِرِي السُّرُورَ ساعَةً، فَلِهَذا السَّبَبِ تَرى الغُمُومَ والأحْزانَ دائِمَةً والسُّرُورَ قَلِيلًا ونادِرًا.

صفحة ١٩٠

وثالِثُها: أنَّ وقْتَ الضُّحى وقْتَ حَرَكَةِ النّاسِ وتَعارُفِهِمْ فَصارَتْ نَظِيرَ وقْتِ الحَشْرِ، واللَّيْلُ إذا سَكَنَ نَظِيرُ سُكُونِ النّاسِ في ظُلْمَةِ القُبُورِ، فَكِلاهُما حِكْمَةٌ ونِعْمَةٌ، لَكِنَّ الفَضِيلَةَ لِلْحَياةِ عَلى المَوْتِ، ولَمّا بَعُدَ المَوْتُ عَلى ما قَبْلَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ ذِكْرَ الضُّحى عَلى ذِكْرِ اللَّيْلِ.

ورابِعُها: ذَكَرَ الضُّحى حَتّى لا يَحْصُلَ اليَأْسُ مِن رُوحِهِ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِاللَّيْلِ حَتّى لا يَحْصُلَ الأمْنُ مِن مَكْرِهِ.

السُّؤالُ الخامِسُ: هَلْ أحَدٌ مِنَ المَذْكُورِينَ فَسَّرَ الضُّحى بِوَجْهِ مُحَمَّدٍ واللَّيْلَ بِشَعْرِهِ ؟ والجَوابُ: نَعَمْ ولا اسْتِبْعادَ فِيهِ، ومِنهم مَن زادَ عَلَيْهِ فَقالَ: ”والضُّحى“ ذُكُورُ أهْلِ بَيْتِهِ، ”واللَّيْلِ“ إناثُهم، ويُحْتَمَلُ: الضُّحى رِسالَتُهُ واللَّيْلُ زَمانُ احْتِباسِ الوَحْيِ؛ لِأنَّ في حالِ النُّزُولِ حَصَلَ الِاسْتِئْناسُ وفي زَمَنِ الِاحْتِباسِ حَصَلَ الِاسْتِيحاشُ، ويُحْتَمَلُ ”والضُّحى“ نُورُ عِلْمِهِ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ المَسْتُورُ مِنَ الغُيُوبِ، ”واللَّيْلِ“ عَفْوُهُ الَّذِي بِهِ يَسْتُرُ جَمِيعَ العُيُوبِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ الضُّحى إقْبالُ الإسْلامِ بَعْدَ أنْ كانَ غَرِيبًا ”واللَّيْلِ“ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سَيَعُودُ غَرِيبًا، ويُحْتَمَلُ ”والضُّحى“ كَمالُ العَقْلِ، ”واللَّيْلِ“ حالُ المَوْتِ، ويُحْتَمَلُ: أُقْسِمُ بِعَلانِيَتِكَ الَّتِي لا يَرى عَلَيْها الخَلْقُ عَيْبًا، وبِسِرِّكَ الَّذِي لا يَعْلَمُ عَلَيْهِ عالِمُ الغَيْبِ عَيْبًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ: ودَّعَكَ مِنَ التَّوْدِيعِ كَما يُودَّعُ المُفارِقُ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ أيْ ما تَرَكَكَ، والتَّوْدِيعُ مُبالَغَةٌ في الوَداعِ؛ لِأنَّ مَن ودَّعَكَ مُفارِقًا فَقَدْ بالَغَ في تَرْكِكَ، والقِلى البُغْضُ، يُقالُ: قَلاهُ يَقْلِيهِ قِلًى ومَقْلِيَةً إذا أبْغَضَهُ، قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ وما قَلاكَ، وفي حَذْفِ الكافِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: حُذِفَتِ الكافُ اكْتِفاءً بِالكافِ الأُولى في ودَّعَكَ، ولِأنَّ رُؤُوسَ الآياتِ بِالياءِ، فَأوْجَبَ اتِّفاقُ الفَواصِلِ حَذْفَ الكافِ.

وثانِيها: فائِدَةُ الإطْلاقِ أنَّهُ ما قَلاكَ ولا [ قَلا ] أحَدًا مِن أصْحابِكَ، ولا أحَدًا مِمَّنْ أحَبَّكَ إلى قِيامِ القِيامَةِ، تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ: ”