< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah093
Ad-Dhuhaa (93)
The Morning Hours, makkah, 11 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
لَهُ أبٌ أوْ أُمٌّ كانَ اعْتِمادُهُ عَلَيْهِما، فَسَلَبَ عَنْهُ الوالِدانِ حَتّى لا يَعْتَمِدَ مِن أوَّلِ صِباهُ إلى آخِرِ عُمُرِهِ عَلى أحَدٍ سِوى اللَّهِ، فَيَصِيرُ في طُفُولِيَّتِهِ مُتَشَبِّهًا بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: حَسْبِي مِن سُؤالِي، عِلْمُهُ بِحالِي، وكَجَوابِ مَرْيَمَ:﴿أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٧] .
ورابِعُها: أنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِأنَّ اليَتِيمَ لا تُخْفى عُيُوبُهُ بَلْ تَظْهَرُ، ورُبَّما زادُوا عَلى المَوْجُودِ فاخْتارَ تَعالى لَهُ اليُتْمَ، لِيَتَأمَّلَ كُلُّ أحَدٍ في أحْوالِهِ، ثُمَّ لا يَجِدُوا عَلَيْهِ عَيْبًا فَيَتَّفِقُونَ عَلى نَزاهَتِهِ، فَإذا اخْتارَهُ اللَّهُ لِلرِّسالَةِ لَمْ يَجِدُوا عَلَيْهِ مَطْعَنًا.
وخامِسُها: جَعَلَهُ يَتِيمًا لِيَعْلَمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ فَضِيلَتَهُ مِنَ اللَّهِ ابْتِداءً لِأنَّ الَّذِي لَهُ أبٌ، فَإنَّ أباهُ يَسْعى في تَعْلِيمِهِ وتَأْدِيبِهِ.
وسادِسُها: أنَّ اليُتْمَ والفَقْرَ نَقْصٌ في حَقِّ الخَلْقِ، فَلَمّا صارَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ أكْرَمَ الخَلْقِ، كانَ ذَلِكَ قَلْبًا لِلْعادَةِ، فَكانَ مِن جِنْسِ المُعْجِزاتِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ في أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ ؟ الجَوابُ: الحِكْمَةُ أنْ لا يَنْسى نَفْسَهُ فَيَقَعَ في العُجْبِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ:“ «سَألْتُ رَبِّي مَسْألَةً ودِدْتُ أنِّي لَمْ أسْألْها، قُلْتُ: اتَّخَذْتَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، وكَلَّمْتَ مُوسى تَكْلِيمًا، وسَخَّرْتَ مَعَ داوُدَ الجِبالَ، وأعْطَيْتَ سُلَيْمانَ كَذا وكَذا، وأعْطَيْتَ فَلانًا كَذا وكَذا، فَقالَ: ألَمْ أجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ ؟ ألَمْ أجِدْكَ ضالًّا فَهَدَيْتُكَ ؟ ألَمْ أجِدْكَ عائِلًا فَأغْنَيْتُكَ ؟ قُلْتُ: بَلى. فَقالَ: ألَمْ أشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ؟ قُلْتُ: بَلى، قالَ: ألَمْ أرْفَعْ لَكَ ذِكْرَكَ ؟ قُلْتُ: بَلى قالَ: صفحة ١٩٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ وقُرِئَ فَلا تَكْهَرْ، أيْ لا تَعْبَسْ وجْهَكَ إلَيْهِ، والمَعْنى عامِلْهُ بِمِثْلِ ما عامَلَكَ بِهِ، ونَظِيرُهُ مِن وجْهٍ: ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾[القَصَصِ: ٧٧] ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«اللَّهَ اللَّهَ فِيمَن لَيْسَ لَهُ إلّا اللَّهُ» “ . ورُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ حِينَ صاحَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى ولَدِ خَدِيجَةَ ومِنهُ حَدِيثُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ: ”إلَهِي بِمَ نِلْتُ ما نِلْتُ ؟ قالَ: أتَذْكُرُ حِينَ هَرَبَتْ مِنكَ السَّخْلَةُ، فَلَمّا قَدَرْتَ عَلَيْها قُلْتَ: أتْعَبْتِ نَفْسَكِ ثُمَّ حَمَلْتَها، فَلِهَذا السَّبَبِ جَعَلْتُكَ ولِيًّا عَلى الخَلْقِ، فَلَمّا نالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ النُّبُوَّةَ بِالإحْسانِ إلى الشّاةِ فَكَيْفَ بِالإحْسانِ إلى اليَتِيمِ، وإذا كانَ هَذا العِتابُ بِمُجَرَّدِ الصِّياحِ أوِ العُبُوسِيَّةِ في الوَجْهِ، فَكَيْفَ إذا أذَلَّهُ أوْ أكَلَ مالَهُ، عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ «إذا بَكى اليَتِيمُ وقَعَتْ دُمُوعُهُ في كَفِّ الرَّحْمَنِ، ويَقُولُ تَعالى: مَن أبْكى هَذا اليَتِيمَ الَّذِي وارَيْتُ والِدَهُ التُّرابَ، مَن أسْكَتَهُ فَلَهُ الجَنَّةُ» " .
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ يُقالُ: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ إذا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلامٍ يَزْجُرُهُ، وفي المُرادِ مِنَ السّائِلِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: وهو اخْتِيارُ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ مِنهُ مَن يَسْألُ العِلْمَ ونَظِيرُهُ مِن وجْهٍ: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾[عَبَسَ: ١، ٢] وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ التَّرْتِيبُ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ أوَّلًا: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾