< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah090
Al-Balad (90)
The City, makkah, 20 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ يَفُكَّ المَرْءُ رَقَبَةَ نَفْسِهِ بِما يَتَكَلَّفُهُ مِنَ العِبادَةِ الَّتِي يَصِيرُ بِها إلى الجَنَّةِ فَهي الحُرِّيَّةُ الكُبْرى، ويَتَخَلَّصُ بِها مِنَ النّارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ: (فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ)، والتَّقْدِيرُ هي فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ وقُرِئَ: (فَكَّ رَقَبَةً أوْ أطْعَمَ) عَلى الإبْدالِ مِنِ ”اقْتَحَمَ العَقَبَةَ“، وقَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ اعْتِراضٌ، قالَ الفَرّاءُ: وهو أشْبَهُ الوَجْهَيْنِ بِصَحِيحِ العَرَبِيَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ﴾ لِأنَّ فَكَّ وأطْعَمَ فِعْلٌ، وقَوْلُهُ: ”كانَ“ فِعْلٌ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الَّذِي يُعْطَفُ عَلَيْهِ الفِعْلُ فِعْلًا، أمّا لَوْ قِيلَ: ثُمَّ إنْ كانَ ذَلِكَ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ بِالرَّفْعِ لِأنَّهُ يَكُونُ عَطْفًا لِلِاسْمِ عَلى الِاسْمِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ العِتْقُ أفْضَلُ أنْواعِ الصَّدَقاتِ، وعِنْدَ صاحِبَيْهِ الصَّدَقَةُ أفْضَلُ، والآيَةُ أدَلُّ عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ: لِتَقَدُّمِ العِتْقِ عَلى الصَّدَقَةِ فِيها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: سَغَبَ سَغَبًا إذا جاعَ فَهو ساغِبٌ وسَغْبانُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَسْغَبَةُ
صفحة ١٦٩
والمَقْرَبَةُ والمَتْرَبَةُ مَفْعَلاتٌ مِن سَغَبَ إذا جاعَ وقَرُبَ في النَّسَبِ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو قَرابَتِي وذُو مَقْرَبَتِي وتَرِبَ إذا افْتَقَرَ ومَعْناهُ التَصَقَ بِالتُّرابِ، وأمّا أتْرَبَ فاسْتَغْنى، أيْ صارَ ذا مالٍ كالتُّرابِ في الكَثْرَةِ. قالَ الواحِدِيُّ: المَتْرَبَةُ مَصْدَرٌ مِن قَوْلِهِمْ تَرِبَ يُتْرِبُ تَرَبًا، ومَتْرَبَةٌ مِثْلُ مَسْغَبَةٍ إذا افْتَقَرَ حَتّى لَصِقَ بِالتُّرابِ.المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: حاصِلُ القَوْلِ في تَفْسِيرِ: ﴿يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ما قالَهُ الحَسَنُ وهو نائِمٌ: يَوْمٌ مَحْرُوصٌ فِيهِ عَلى الطَّعامِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومَعْناهُ ما يَقُولُ النَّحْوِيُّونَ في قَوْلِهِمْ: لَيْلٌ نائِمٌ ونَهارٌ صائِمٌ أيْ: ذُو نَوْمٍ وصَوْمٍ.
واعْلَمْ أنَّ إخْراجَ المالِ في وقْتِ القَحْطِ والضَّرُورَةِ أثْقَلُ عَلى النَّفْسِ وأوْجَبُ لِلْأجْرِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾[البقرة: ١٧٧] وقالَ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾[الإنسان: ٨] وقَرَأ الحَسَنُ: (ذا مَسْغَبَةٍ) نَصَبَهُ بِإطْعامٍ ومَعْناهُ أوْ إطْعامٍ في يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ ذا مَسْغَبَةٍ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذا قَرابَةٍ تَقُولُ: ”زَيْدٌ ذُو قَرابَتِي وذُو مَقْرَبَتِي“، و”زَيْدٌ قَرابَتِي“ قَبِيحٌ لِأنَّ القَرابَةَ مَصْدَرٌ، قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي يَتِيمًا بَيْنَهُ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ، فَقَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ حَقّانِ يُتْمٌ وقَرابَةٌ، فَإطْعامُهُ أفْضَلُ، وقِيلَ: يَدْخُلُ فِيهِ القُرْبُ بِالجِوارِ، كَما يَدْخُلُ فِيهِ القُرْبُ بِالنَّسَبِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أيْ مِسْكِينًا قَدْ لَصِقَ بِالتُّرابِ مِن فَقْرِهِ وضُرِّهِ، فَلَيْسَ فَوْقَهُ ما يَسْتُرُهُ ولا تَحْتَهُ ما يُوَطِّئُهُ، رُوِيَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ مَرَّ بِمِسْكِينٍ لاصِقٍ بِالتُّرابِ فَقالَ: هَذا الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى [ فِيهِ ]: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المِسْكِينَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَمْلِكُ شَيْئًا، لِأنَّهُ لَوْ كانَ لَفْظُ المِسْكِينِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يَمْلِكُ شَيْئًا البَتَّةَ لَكانَ تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ تَكْرِيرًا وهو غَيْرُ جائِزٍ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: كانَ مُقْتَحِمُ العَقَبَةِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنهم لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الطّاعاتِ، ولا مُقْتَحِمًا لِلْعَقَبَةِ (فَإنْ قِيلَ): لَمّا كانَ الإيمانُ شَرْطًا لِلِانْتِفاعِ بِهَذِهِ الطّاعاتِ وجَبَ كَوْنُهُ مُقَدَّمًا عَلَيْها، فَما السَّبَبُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أخَّرَهُ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؟ والجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا التَّراخِيَ في الذِّكْرِ لا في الوُجُودِ، كَقَوْلِهِ:
إنَّ مَن سادَ ثُمَّ سادَ أبُوهُ ثُمَّ قَدْ سادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ
لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ: ”ثُمَّ سادَ أبُوهُ“ التَّأخُّرَ في الوُجُودِ، وإنَّما المَعْنى، ثُمَّ اذْكُرْ أنَّهُ سادَ أبُوهُ. كَذَلِكَ في