< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah089
Al-Fajr (89)
The Dawn, makkah, 30 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
بُدَّ وأنْ يَنْدَمَ عَلَيْهِ، وإذا حَصَلَ النَّدَمُ فَقَدْ حَصَلَتِ التَّوْبَةُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَفى كَوْنَ تِلْكَ التَّوْبَةِ نافِعَةً بِقَوْلِهِ:﴿وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ فَعَلِمْنا أنَّ التَّوْبَةَ لا يَجِبُ عَقْلًا قَبُولُها، فَإنْ قِيلَ: القَوْمُ إنَّما نَدِمُوا عَلى أفْعالِهِمْ لا لِوَجْهِ قُبْحِها بَلْ لِتُرَتِّبِ العِقابِ عَلَيْها، فَلا جَرَمَ ما كانَتِ التَّوْبَةُ صَحِيحَةً ؟ قُلْنا: القَوْمُ لَمّا عَلِمُوا أنَّ النَّدَمَ عَلى القَبِيحِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِوَجْهِ قُبْحِهِ حَتّى يَكُونَ نافِعًا وجَبَ أنْ يَكُونَ نَدَمُهم واقِعًا عَلى هَذا الوَجْهِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُونَ آتِينَ بِالتَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ مَعَ عَدَمِ القَبُولِ، فَصَحَّ قَوْلُنا.
ثُمَّ شَرَحَ تَعالى ما يَقُولُهُ هَذا الإنْسانُ فَقالَ تَعالى: ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِلْآيَةِ تَأْوِيلاتٌ:
أحَدُهُما: ﴿يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ﴾ في الدُّنْيا الَّتِي كانَتْ حَياتِي فِيها مُنْقَطِعَةً لِحَياتِي هَذِهِ الَّتِي هي دائِمَةٌ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ، وإنَّما قالَ: ﴿لِحَياتِي﴾ ولَمْ يَقُلْ: ”لِهَذِهِ الحَياةِ“ عَلى مَعْنى أنَّ الحَياةَ كَأنَّها لَيْسَتْ إلّا الحَياةَ في الدّارِ الآخِرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾[العنكبوت: ٦٤] أيْ لَهي الحَياةُ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّ الكافِرِ: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾[إبراهيم: ١٧] وقالَ: ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾[طه: ٧٤] وقالَ: ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾[الأعلى: ١٣] فَهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ أهْلَ النّارِ في الآخِرَةِ كَأنَّهُ لا حَياةَ لَهم، والمَعْنى فَيا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ عَمَلًا يُوجِبُ نَجاتِي مِنَ النّارِ حَتّى أكُونَ مِنَ الأحْياءِ.
.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَيا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ وقْتَ حَياتِي في الدُّنْيا، كَقَوْلِكَ جِئْتُهُ لِعَشْرِ لَيالٍ خَلَوْنَ مِن رَجَبٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الِاخْتِيارَ كانَ في أيْدِيهِمْ ومُعَلَّقًا بِقَصْدِهِمْ وإرادَتِهِمْ وأنَّهم ما كانُوا مَحْجُوبِينَ عَنِ الطّاعاتِ مُجْتَرِئِينَ عَلى المَعاصِي، وجَوابُهُ: أنَّ فِعْلَهم كانَ مُعَلَّقًا بِقَصْدِهِمْ، فَقَصْدُهم إنْ كانَ مُعَلَّقًا بِقَصْدٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ كانَ مُعَلَّقًا بِقَصْدِ اللَّهِ فَقَدْ بَطَلَ الِاعْتِزالُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾﴿ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ١٦٠
المَسْألَةُ الأُولى: قِراءَةُ العامَّةِ ”يُعَذِّبُ“ و”يُوثِقُ“ بِكَسْرِ العَيْنِ فِيهِما، قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَ اللَّهِ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ ولا يُوثِقُ وثاقَ اللَّهِ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ، والمَعْنى لا يَبْلُغُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ كَبَلاغِ اللَّهِ في العَذابِ والوَثاقِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا التَّفْسِيرُ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لَيْسَ يَوْمَ القِيامَةِ مُعَذِّبٌ سِوى اللَّهِ فَكَيْفَ يُقالُ: لا يُعَذِّبُ أحَدٌ في مِثْلِ عَذابِهِ، وأُجِيبُ عَنْ هَذا الِاعْتِراضِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ لا يُعَذِّبُ أحَدٌ في الدُّنْيا عَذابَ اللَّهِ الكافِرَ يَوْمَئِذٍ، ولا يُوثِقُ أحَدٌ في الدُّنْيا وثاقَ اللَّهِ الكافِرَ يَوْمَئِذٍ، والمَعْنى: مِثْلَ عَذابِهِ ووَثاقِهِ في الشِّدَّةِ والمُبالَغَةِ.
الثّانِي: أنَّ المَعْنى لا يَتَوَلّى يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ اللَّهِ أحَدٌ، أيِ: الأمْرُ يَوْمَئِذٍ أمْرُهُ ولا أمْرَ لِغَيْرِهِ.
الثّالِثُ: وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لا يُعَذِّبُ أحَدٌ مِنَ الزَّبانِيَةِ مِثْلَ ما يُعَذِّبُونَهُ، فالضَّمِيرُ في عَذابِهِ عائِدٌ إلى الإنْسانِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ: لا يُعَذَّبُ ولا يَوْثَقُ بِفَتْحِ العَيْنِ فِيها واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ رَجَعَ إلَيْها في آخِرِ عُمْرِهِ، لِما رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأهُما بِالفَتْحِ، والضَّمِيرُ لِلْإنْسانِ المَوْصُوفِ، وقِيلَ: هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ ولِهَذِهِ القِراءَةِ تَفْسِيرانِ:
أحَدُهُما: لا يُعَذِّبُ أحَدٌ مِثْلَ عَذابِهِ ولا يُوثِقُ بِالسَّلاسِلِ والأغْلالِ مِثْلَ وثاقِهِ، لِتَناهِيهِ في كُفْرِهِ وفَسادِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ لا يُعَذَّبُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ عَذابَ الكافِرِ، كَقَوْلِهِ: