< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah088
Al-Ghaashiya (88)
The Overwhelming, makkah, 26 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الصَّوامِعِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وعَبَدَةِ الأوْثانِ والمَجُوسِ، والمَعْنى أنَّها خَشَعَتْ لِلَّهِ وعَمِلَتْ ونَصِبَتْ في أعْمالِها مِنَ الصَّوْمِ الدّائِبِ والتَّهَجُّدِ الواصِبِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا اعْتَقَدُوا في اللَّهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ، فَكَأنَّهم أطاعُوا ذاتًا مَوْصُوفَةً بِالصِّفاتِ الَّتِي تَخَيَّلُوها فَهم في الحَقِيقَةِ ما عَبَدُوا اللَّهَ وإنَّما عَبَدُوا ذَلِكَ المُتَخَيَّلَ الَّذِي لا وُجُودَ لَهُ، فَلا جَرَمَ لا تَنْفَعُهم تِلْكَ العِبادَةُ أصْلًا.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ بَعْضَ تِلْكَ الصِّفاتِ حاصِلٌ في الآخِرَةِ وبَعْضَها في الدُّنْيا فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّها خاشِعَةٌ في الآخِرَةِ، مَعَ أنَّها كانَتْ في الدُّنْيا عامِلَةً ناصِبَةً، والمَعْنى أنَّها لَمْ تَنْتَفِعْ بِعَمَلِها ونَصَبِها في الدُّنْيا، ولا يَمْتَنِعُ وصْفُهم بِبَعْضِ أوْصافِ الآخِرَةِ، ثُمَّ يُذْكَرُ بَعْضُ أوْصافِ الدُّنْيا ثُمَّ يُعادُ ذِكْرُ الآخِرَةِ، إذا كانَ المَعْنى في ذَلِكَ مَفْهُومًا فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وُجُوهٌ يَوْمَ القِيامَةِ خاشِعَةٌ، لِأنَّها كانَتْ في الدُّنْيا عامِلَةً ناصِبَةً في غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ، فَهي إذَنْ تَصْلى نارًا حامِيَةً في الآخِرَةِ.
ثانِيها: أنَّها خاشِعَةٌ عامِلَةٌ في الدُّنْيا، ولَكِنَّها ناصِبَةٌ في الآخِرَةِ، فَخُشُوعُها في الدُّنْيا خَوْفُها الدّاعِي لَها إلى الإعْراضِ عَنْ لَذائِذِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها، وعَمَلُها هو صَلاتُها وصَوْمُها، ونَصَبُها في الآخِرَةِ هو مُقاساةُ العَذابِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾[الزمر: ٤٧] وقُرِئَ ”عامِلَةٌ ناصِبَةٌ“ عَلى الشَّتْمِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ وصَفَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ شَرَحَ بَعْدَ ذَلِكَ كَيْفِيَّةَ مَكانِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ ومَطْعَمِهِمْ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها.
أمّا مَكانُهم فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ يُقالُ: صَلى بِالنّارِ يَصْلى أيْ لَزِمَها واحْتَرَقَ بِها وقُرِئَ بِنَصْبِ التّاءِ وحُجَّتُهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾[الصافات: ١٦٣] وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ بِرَفْعِ التّاءِ
صفحة ١٣٩
مِن أصْلَيْتُهُ النّارَ لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾[الحاقة: ٣١] وقَوْلِهِ: ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾[النساء: ١١٥] و”صِلُوهُ“ مِثْلُ ”أصْلُوهُ“، وقَرَأ قَوْمٌ ”تَصَلّى“ بِالتَّشْدِيدِ، وقِيلَ: المَصْلى عِنْدَ العَرَبِ أنْ يَحْفِرُوا حَفِيرًا فَيَجْمَعُوا فِيهِ جَمْرًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَعْمِدُوا إلى شاةٍ فَيَدُسُّوها وسَطَهُ، فَأمّا ما يُشْوى فَوْقَ الجَمْرِ أوْ عَلى المِقْلاةِ أوْ في التَّنُّورِ فَلا يُسَمّى مَصْلى. وقَوْلُهُ: ﴿حامِيَةً﴾ أيْ قَدْ أُوقِدَتْ وأُحْمِيَتِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، فَلا حَرَّ يَعْدِلُ حَرَّها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ حَمِيَتْ فَهي تَتَلَظّى عَلى أعْداءِ اللَّهِ.
وأمّا مَشْرُوبُهم فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ الآنِي الَّذِي قَدِ انْتَهى حَرُّهُ مِنَ الإيناءِ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ. وفي الحَدِيثِ: ”«أنَّ رَجُلًا أخَّرَ حُضُورَ الجُمُعَةِ ثُمَّ تَخَطّى رِقابَ النّاسِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: آنَيْتَ وآذَيْتَ» “ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾[الرحمن: ٤٤] قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ حَرَّها بَلَغَ إلى حَيْثُ لَوْ وقَعَتْ مِنها قَطْرَةٌ عَلى جِبالِ الدُّنْيا لَذابَتْ.
وأمّا مَطْعُومُهم فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّرِيعَ. ما هو ؟ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: لا أدْرِي ما الضَّرِيعُ ولَمْ أسْمَعْ فِيهِ مِنَ الصَّحابَةِ شَيْئًا.
وثانِيها: رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الضَّرِيعُ بِمَعْنى المُضْرِعِ كالألِيمِ والسَّمِيعِ والبَدِيعِ بِمَعْنى المُؤْلِمِ والمُسْمِعِ والمُبْدِعِ، ومَعْناهُ إلّا مِن طَعامٍ يَحْمِلُهم عَلى أنْ يَضْرَعُوا ويَذِلُّوا عِنْدَ تَناوُلِهِ لِما فِيهِ مِنَ الخُشُونَةِ والمَرارَةِ والحَرارَةِ.
وثالِثُها: أنَّ الضَّرِيعَ ما يَبِسَ مِنَ الشِّبْرِقِ، وهو جِنْسٌ مِنَ الشَّوْكِ تَرْعاهُ الإبِلُ ما دامَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ وهو سُمٌّ قاتِلٌ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
رَعى الشِّبْرِقَ الرَّيّانَ حَتّى إذا ذَوى وعادَ ضَرِيعًا عادَ عَنْهُ النَّحائِصُ
جَمْعُ نُحُوصٍ وهي الحائِلُ مِنَ الإبِلِ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ وأكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ.ورابِعُها: قالَ الخَلِيلُ في كِتابِهِ: