< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah087
Al-A'laa (87)
The Most High, makkah, 19 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
أنّا بَيَّنّا أنَّ أقْسامَ الخَلْقِ ثَلاثَةٌ؛ العارِفُونَ والمُتَوَقِّفُونَ والمُعانِدُونَ، وبَيَّنّا أنَّ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لَهُما خَوْفٌ وخَشْيَةٌ، وصاحِبُ الخَشْيَةِ لا بُدَّ وأنْ يَسْتَمِعَ إلى الدَّعْوَةِ ويَنْتَفِعَ بِها، فَيَكُونُ الأشْقى هو المُعانِدُ الَّذِي لا يَسْتَمِعُ إلى الدَّعْوَةِ ولا يَنْتَفِعُ بِها، فَلِهَذا قالَ تَعالى:﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ ﴿النّارَ الكُبْرى﴾ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: الكُبْرى نارُ جَهَنَّمَ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا.
وثانِيها: أنَّ في الآخِرَةِ نِيرانًا ودَرَكاتٍ مُتَفاضِلَةً كَما أنَّ في الدُّنْيا ذُنُوبًا ومَعاصِيَ مُتَفاضِلَةً، وكَما أنَّ الكافِرَ أشْقى العُصاةِ كَذَلِكَ يَصْلى أعْظَمَ النِّيرانِ.
وثالِثُها: أنَّ النّارَ الكُبْرى هي النّارُ السُّفْلى، وهي تُصِيبُ الكُفّارَ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾[النساء: ١٤٥] .
صفحة ١٣٣
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الوَلِيدِ وعَتَبَةَ وأُبَيٍّ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، لا سِيَّما وقَدْ بَيَّنّا صِحَّةَ هَذا التَّرْتِيبِ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: الَّذِي يَذَّكَّرُ ويَخْشى.
والثّانِي: الأشْقى الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى، لَكِنَّ وُجُودَ الأشْقى يَسْتَدْعِي وُجُودَ الشَّقِيِّ فَكَيْفَ حالُ هَذا القِسْمِ ؟
وجَوابُهُ: أنَّ لَفْظَةَ الأشْقى لا تَقْتَضِي وُجُودَ الشَّقِيِّ إذْ قَدْ يَجْرِي مِثْلُ هَذا اللَّفْظِ مِن غَيْرِ مُشارِكَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾[الفرقان: ٢٤] وقِيلَ: المَعْنى: ويَتَجَنَّبُها الشَّقِيُّ الَّذِي يَصْلى كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾[الروم: ٢٧] أيْ هَيِّنٌ عَلَيْهِ، ومِثْلَ قَوْلِ القائِلِ:
إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ
هَذا ما قِيلَ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ ما ذَكَرْنا أنَّ الفِرَقَ الثَّلاثَةَ، العارِفُ والمُتَوَقِّفُ والمُعانِدُ؛ فالسَّعِيدُ هو العارِفُ، والمُتَوَقِّفُ لَهُ بَعْضُ الشَّقاءِ والأشْقى هو المُعانِدُ الَّذِي بَيَّنا أنَّهُ هو الَّذِي لا يَلْتَفِتُ إلى الدَّعْوَةِ ولا يَصْغى إلَيْها ويَتَجَنَّبُها. ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا يَمُوتُ فَيَسْتَرِيحُ ولا يَحْيا حَياةً تَنْفَعُهُ، كَما قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾[فاطر: ٣٦] وهَذا عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ تَقُولُ لِلْمُبْتَلى بِالبَلاءِ الشَّدِيدِ: لا هو حَيٌّ ولا هو مَيِّتٌ.
وثانِيهِما: مَعْناهُ أنَّ نَفْسَ أحَدِهِمْ في النّارِ تَصِيرُ في حَلْقِهِ فَلا تَخْرُجُ فَيَمُوتُ ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قِيلَ: (ثُّمَ) لِأنَّ هَذِهِ الحالَةَ أفْظَعُ وأعْظَمُ مِنَ الصَّلى فَهو مُتَراخٍ عَنْهُ في مَراتِبِ الشِّدَّةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى:
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ مَن أعْرَضَ عَنِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ في دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى أتْبَعَهُ بِالوَعْدِ لِمَن تَزَكّى وتَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الشِّرْكِ.
وثانِيهِما: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ: تُكْثِرُ مِنَ التَّقْوى لِأنَّ مَعْنى الزّاكِي النّامِي الكَثِيرُ، وهَذا الوَجْهُ مُعْتَضِدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾[المؤمنون: ١] أثْبَتَ الفَلاحَ لِلْمُسْتَجْمِعِينَ لِتِلْكَ الخِصالِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ البَقَرَةِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾[البقرة: ٥] .
وأمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَإنَّهُ مُعْتَضِدٌ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يَذْكُرْ في الآيَةِ ما يَجِبُ التَّزَكِّي عَنْهُ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ هو التَّزَكِّي عَمّا مَرَّ ذِكْرُهُ قَبْلَ الآيَةِ، وذَلِكَ هو الكُفْرُ، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ هَهُنا: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ عَنِ الكُفْرِ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ.
والثّانِي: أنَّ الِاسْمَ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ