< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


جَوابَ القَسَمِ قَوْلُهُ:﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ الآيَةَ. كَما تَقُولُ: واللَّهِ إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ، إلّا أنَّهُ اعْتَرَضَ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ قَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ .

ورابِعُها: ما ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ أنَّ جَوابَ القَسَمِ مَحْذُوفٌ، وهَذا اخْتِيارُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ إلّا أنَّ المُتَقَدِّمِينَ، قالُوا: ذَلِكَ المَحْذُوفُ هو أنَّ الأمْرَ حَقٌّ في الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جَوابُ القَسَمِ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أقْسَمَ بِهَذِهِ الأشْياءِ، أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ مَلْعُونُونَ كَما لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، وذَلِكَ لِأنَّ السُّورَةَ ورَدَتْ في تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَصْبِيرِهِمْ عَلى أذى أهْلِ مَكَّةَ وتَذْكِيرِهِمْ بِما جَرى عَلى مَن تَقَدَّمُهم مِنَ التَّعْذِيبِ عَلى الإيمانِ حَتّى يَقْتَدُوا بِهِمْ ويَصْبِرُوا عَلى أذى قَوْمِهِمْ، ويَعْلَمُوا أنَّ كَفّارَ مَكَّةَ عِنْدَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا في الأُمَمِ السّالِفَةِ يَحْرِقُونَ أهْلَ الإيمانِ بِالنّارِ، وأحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ فِيهِمْ: قُتِلَتْ قُرَيْشٌ كَما: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا قِصَّةَ أصْحابِ الأُخْدُودِ عَلى طُرُقٍ مُتَبايِنَةٍ ونَحْنُ نَذْكُرُ مِنها ثَلاثَةً:

أحَدُها: أنَّهُ كانَ لِبَعْضِ المُلُوكِ ساحِرٌ، فَلَمّا كَبُرَ ضُمَّ إلَيْهِ غُلامٌ لِيُعَلِّمَهُ السِّحْرَ، وكانَ في طَرِيقِ الغُلامِ راهِبٌ، فَمالَ قَلْبُ الغُلامِ إلى ذَلِكَ الرّاهِبِ ثُمَّ رَأى الغُلامُ في طَرِيقِهِ ذاتَ يَوْمٍ حَيَّةً قَدْ حَبَسَتِ النّاسَ فَأخَذَ حَجَرًا، وقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ الرّاهِبُ أحَبَّ إلَيْكَ مِنَ السّاحِرِ فَقَوِّنِي عَلى قَتْلِها بِواسِطَةِ رَمْيِ الحَجَرِ إلَيْها، ثُمَّ رَمى فَقَتَلَها، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإعْراضِ الغُلامِ عَنِ السِّحْرِ واشْتِغالِهِ بِطَرِيقَةِ الرّاهِبِ، ثُمَّ صارَ إلى حَيْثُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويَشْفِي مِنَ الأدْواءِ، فاتَّفَقَ أنْ عَمِيَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ فَأبْرَأهُ فَلَمّا رَآهُ المَلِكُ قالَ: مَن رَدَّ عَلَيْكَ نَظَرَكَ ؟ فَقالَ رَبِّي فَغَضِبَ فَعَذَّبَهُ فَدَلَّ عَلى الغُلامِ فَعَذَّبَهُ فَدَلَّ عَلى الرّاهِبِ فَأحْضَرَ الرّاهِبَ وزَجَرَهُ عَنْ دِينِهِ فَلَمْ يَقْبَلِ الرّاهِبُ قَوْلَهُ فَقُدَّ بِالمِنشارِ، ثُمَّ أتَوْا بِالغُلامِ إلى جَبَلٍ لِيُطْرَحَ مِن ذُرْوَتِهِ فَدَعا اللَّهَ، فَرَجَفَ بِالقَوْمِ فَهَلَكُوا ونَجا، فَذَهَبُوا بِهِ إلى سَفِينَةٍ لَجَّجُوا بِها لِيُغْرِقُوهُ، فَدَعا اللَّهَ فانْكَفَأتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا ونَجا، فَقالَ لِلْمَلِكِ: لَسْتَ بِقاتِلِي حَتّى تَجْمَعَ النّاسَ في صَعِيدٍ وتَصْلُبَنِي عَلى جِذْعٍ وتَأْخُذَ سَهْمًا مِن كِنانَتِي، وتَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الغُلامِ ثُمَّ تَرْمِينِي بِهِ، فَرَماهُ فَوَقَعَ في صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وماتَ، فَقالَ النّاسُ: آمَنّا بِرَبِّ الغُلامِ. فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: نَزَلَ بِكَ ما كُنْتَ تَحْذَرُ، فَأمَرَ بِأخادِيدَ في أفْواهِ السِّكَكِ، وأُوقِدَتْ فِيها النِّيرانُ، فَمَن لَمْ يَرْجِعْ مِنهم طَرَحَهُ فِيها، حَتّى جاءَتِ امْرَأةٌ مَعَها صَبِيٌّ فَتَقاعَسَتْ أنْ تَقَعَ فِيها فَقالَ الصَّبِيُّ: يا أُمّاهُ اصْبِرِي فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ، فَصَبَرَتْ عَلى ذَلِكَ.

الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم حِينَ اخْتَلَفُوا في أحْكامِ المَجُوسِ قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ

صفحة ١٠٨

وكانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِكِتابِهِمْ وكانَتِ الخَمْرُ قَدْ أُحِلِّتْ لَهم فَتَناوَلَها بَعْضُ مُلُوكِها فَسَكِرَ فَوَقَعَ عَلى أُخْتِهِ فَلَمّا صَحا نَدِمَ وطَلَبَ المَخْرَجَ فَقالَتْ لَهُ: المَخْرَجُ أنْ تَخْطُبَ النّاسَ فَتَقُولُ: إنِ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحَلَّ نِكاحَ الأخَواتِ ثُمَّ تَخْطُبُهم بَعْدَ ذَلِكَ فَتَقُولُ: بَعْدَ ذَلِكَ حَرَّمَهُ، فَخَطَبَ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنهُ ذَلِكَ فَقالَتْ لَهُ: ابْسُطْ فِيهِمُ السَّوْطَ فَلَمْ يَقْبَلُوا، فَقالَتِ: ابْسُطْ فِيهِمُ السَّيْفَ فَلَمْ يَقْبَلُوا، فَأمَرَتْهُ بِالأخادِيدِ وإيقادِ النِّيرانِ وطَرْحِ مَن أتى فِيها الَّذِينَ أرادَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ .

الرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ وقَعَ إلى نَجْرانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ عَلى دِينِ عِيسى فَدَعاهم فَأجابُوهُ فَصارَ إلَيْهِمْ ذُو نُواسٍ اليَهُودِيُّ بِجُنُودٍ مِن حِمْيَرَ فَخَيَّرَهم بَيْنَ النّارِ واليَهُودِيَّةِ