< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah084
Al-Inshiqaaq (84)
The Splitting Open, makkah, 25 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
عَلى جَمِيعِ ما يَجْمَعُهُ اللَّيْلُ مِنَ النُّجُومِ ورُجُوعِ الحَيَوانِ عَنِ الِانْتِشارِ وتَحَرُّكِ ما يَتَحَرَّكُ فِيهِ الهَوامُّ، ثُمَّ هَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الأشْياءِ كُلِّها لِاشْتِمالِ اللَّيْلِ عَلَيْها فَكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ كَما قالَ:﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾[الحاقة: ٣٨] وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ما عُمِلَ فِيهِ، قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو تَهَجُّدُ العِبادِ فَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى بِها المُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ فَيَجُوزُ أنْ يَحْلِفَ بِهِمْ وإنَّما قُلْنا: إنَّ اللَّيْلَ جَمَعَ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها لِأنَّ ظُلْمَتَهُ كَأنَّها تُجَلِّلُ
صفحة ١٠٠
الجِبالَ والبِحارَ والشَّجَرَ والحَيَواناتِ، فَلا جَرَمَ صَحَّ أنْ يُقالَ: وسَقَ جَمِيعَ هَذِهِ الأشْياءِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ مِنَ الِاجْتِماعِ يُقالُ: وسَقْتُهُ فاتَّسَقَ كَما يُقالُ: وصَلْتُهُ فاتَّصَلَ، أيْ جَمَعْتُهُ فاجْتَمَعَ ويُقالُ: أُمُورُ فُلانٍ مُتَّسِقَةٌ أيْ مُجْتَمِعَةٌ عَلى الصَّلاحِ كَما يُقالُ: مُنْتَظِمَةٌ، وأمّا أهْلُ المَعانِي فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا اتَّسَقَ أيِ اسْتَوى واجْتَمَعَ وتَكامَلَ وتَمَّ واسْتَدارَ وذَلِكَ لَيْلَةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ إلى سِتَّةَ عَشَرَ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما بِهِ أقْسَمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما عَلَيْهِ أقْسَمَ قالَ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: ”لَتَرْكَبَنَّ“عَلى خِطابِ الإنْسانِ في يا أيُّها الإنْسانُ: ”ولَتَرْكَبُنَّ“ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ النِّداءَ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ لِلْجِنْسِ ”ولَتَرْكَبِنَّ“ بِالكَسْرِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، ولَيَرْكَبَنَّ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ أيْ لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّبَقُ ما طابَقَ غَيْرَهُ، يُقالُ: ما هَذا يَطْبُقُ كَذا أيْ لا يُطابِقُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْغِطاءِ: الطَّبَقُ وطِباقُ الثَّرى ما يُطابِقُ مِنهُ، قِيلَ: لِلْحالِ المُطابِقَةِ لِغَيْرِها طَبَقٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ أيْ حالًا بَعْدَ حالِ كُلِّ واحِدَةٍ مُطابِقَةٍ لِأُخْتِها في الشِّدَّةِ والهَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ طَبَقَةٍ وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ هو عَلى طَبَقاتٍ، والمَعْنى لَتَرْكَبُنَّ أحْوالًا بَعْدَ أحْوالٍ هي طَبَقاتٌ في الشِّدَّةِ بَعْضُها أرْفَعُ مِن بَعْضٍ وهي المَوْتُ وما بَعْدَهُ مِن أهْوالِ القِيامَةِ، ولْنَذْكُرِ الآنَ وُجُوهَ المُفَسِّرِينَ فَنَقُولُ: أمّا القِراءَةُ بِرَفْعِ الباءِ وهو خِطابُ الجَمْعِ فَتَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ أُمُورًا وأحْوالًا أمْرًا بَعْدَ أمْرٍ وحالًا بَعْدَ حالٍ ومَنزِلًا بَعْدَ مَنزِلٍ إلى أنْ يَسْتَقِرَّ الأمْرُ عَلى ما يُقْضى بِهِ عَلى الإنْسانِ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الدَّوامُ والخُلُودُ، إمّا في دارِ الثَّوابِ أوْ في دارِ العِقابِ ويَدْخُلُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أحْوالُ الإنْسانِ، مَن يَكُونُ نُطْفَةً إلى أنْ يَصِيرَ شَخْصًا ثُمَّ يَمُوتُ فَيَكُونُ في البَرْزَخِ، ثُمَّ يُحْشَرُ ثُمَّ يُنْقَلُ، إمّا إلى جَنَّةٍ وإمّا إلى نارٍ.
وثانِيها: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ النّاسَ يَلْقَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ أحْوالًا وشَدائِدَ حالًا بَعْدَ حالٍ وشِدَّةً بَعْدَ شِدَّةٍ كَأنَّهم لَمّا أنْكَرُوا البَعْثَ أقْسَمَ اللَّهُ أنَّ البَعْثَ كائِنٌ وأنَّ النّاسَ يَلْقَوْنَ فِيها الشَّدائِدَ والأهْوالَ إلى أنْ يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ فَيَصِيرَ كُلُّ أحَدٍ إلى ما أُعِدَّ لَهُ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ وهو نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾[التغابن: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾[القلم: ٤٢] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾[المزمل: ١٧] .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ النّاسَ تَنْتَقِلُ أحْوالُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا فَمِن وضِيعٍ في الدُّنْيا يَصِيرُ رَفِيعًا في الآخِرَةِ، ومِن رَفِيعٍ يَتَّضِعُ، ومِن مُتَنَعِّمٍ يَشْقى، ومِن شَقِيٍّ يَتَنَعَّمُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾[الواقعة: ٣]وهَذا التَّأْوِيلُ مُناسِبٌ لِما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُؤْتى كِتابَهُ