< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah083
Al-Mutaffifin (83)
Defrauding, makkah, 36 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
عِلْمِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، أوْ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ قُدْرَةِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ. فَهَذا الِاعْتِداءُ ضِدُّ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، هو الِاشْتِغالُ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ وصاحِبُهُ هو الأثِيمُ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ قَلَّما يَتَفَرَّغُ لِلْعِبادَةِ والطّاعَةِ، ورُبَّما صارَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنِ الإيمانِ بِالقِيامَةِ.
وأمّا الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ النُّبُوَّةَ، والمَعْنى إذا تُلِيَ عَلَيْهِ القُرْآنُ قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: أكاذِيبُ
صفحة ٨٦
الأوَّلِينَ.والثّانِي: أخْبارُ الأوَّلِينَ وأنَّهُ عَنْهم أُخِذَ أيْ يَقْدَحُ في كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهَذا الطَّرِيقِ، وهاهُنا بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ هَلِ المُرادُ مِنها شَخْصٌ مُعَيَّنٌ أوْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بِأنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾[القلم: ١٥] فَقِيلَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَعْنى: وما يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ مِن قُرَيْشٍ أوْ مِن قَوْمِكَ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ، وهَذا هو الشَّخْصُ المُعَيَّنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فالمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ مِن أنَّ ذَلِكَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، بَلْ أفْعالُهُمُ الماضِيَةُ صارَتْ سَبَبًا لِحُصُولِ الرَّيْنِ في قُلُوبِهِمْ، ولِأهْلِ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِ لَفْظَةِ الرَّيْنِ وُجُوهٌ، ولِأهْلِ التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ أُخَرُ، أمّا أهْلُ اللُّغَةِ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ غَلَبَ عَلَيْها والخَمْرُ تَرِينُ عَلى عَقْلِ السَّكْرانِ، والمَوْتُ يَرِينُ عَلى المَيِّتِ فَيَذْهَبُ بِهِ، قالَ اللَّيْثُ: رانَ النُّعاسُ والخَمْرُ في الرَّأْسِ إذا رَسَخَ فِيهِ، وهو يَرِنُ رَيْنًا ورُيُونًا، ومِن هَذا حَدِيثُ عُمَرَ في أُسَيْفِعِ جُهَيْنَةَ لَمّا رَكِبَهُ الدِّينُ ”أصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ“ قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رِينَ بِالرَّجُلِ يُرانُ بِهِ رَيْنًا إذا وقَعَ فِيما لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِنهُ. قالَ أبُو مُعاذٍ النَّحْوِيُّ: الرَّيْنُ أنْ يَسْوَدَّ القَلْبُ مِنَ الذُّنُوبِ والطَّبْعُ أنْ يُطْبَعَ عَلى القَلْبِ وهو أشَدُّ مِنَ الرَّيْنِ، والإقْفالُ أشَدُّ مِنَ الطَّبْعِ، وهو أنْ يُقْفَلَ عَلى القَلْبِ، قالَ الزَّجّاجُ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِمَعْنى غَطّى عَلى قُلُوبِهِمْ، يُقالُ: رانَ عَلى قَلْبِهِ الذَّنْبُ يَرِينُ رَيْنًا أيْ غَشِيَهُ، والرَّيْنُ كالصَّدَأِ يَغْشى القَلْبَ ومِثْلُهُ العَيْنُ، أمّا أهْلُ التَّفْسِيرِ، فَلَهم وُجُوهٌ: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هو الذَّنْبُ عَلى الذَّنْبِ، حَتّى تُحِيطَ الذُّنُوبُ بِالقَلْبِ، وتَغْشاهُ فَيَمُوتُ القَلْبُ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إيّاكم والمُحَقَّراتُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَإنَّ الذَّنْبَ عَلى الذَّنْبِ يُوقِدُ عَلى صاحِبِهِ جَحِيمًا ضَخْمَةً»“ وعَنْ مُجاهِدٍ القَلْبُ كالكَفِّ، فَإذا أذْنَبَ الذَّنْبَ انْقَبَضَ، وإذا أذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ انْقَبَضَ ثُمَّ يُطْبَعُ عَلَيْهِ وهو الرَّيْنُ، وقالَ آخَرُونَ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ حَتّى يَسْوَدَّ القَلْبُ كُلُّهُ، ورُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: لا شَكَّ أنَّ تَكَرُّرَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ مَلَكَةٍ نَفْسانِيَّةٍ، فَإنَّ مَن أرادَ تَعَلُّمَ الكِتابَةِ فَكُلَّما كانَ إتْيانُهُ بِعَمَلِ الكِتابَةِ أكْثَرَ كانَ اقْتِدارُهُ عَلى عَمَلِ الكِتابَةِ أتَمَّ، إلى أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِالكِتابَةِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرَةٍ، فَهَذِهِ الهَيْئَةُ النَّفْسانِيَّةُ، لَمّا تَوَلَّدَتْ مِن تِلْكَ الأعْمالِ الكَثِيرَةِ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ الهَيْئَةِ النَّفْسانِيَّةِ، إذا عَرَفْتَ