< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


عَدَلْتُكَ فِيهِ ولا صَرَفْتُكَ فِيهِ، فَفي القِراءَةِ الأُولى جُعِلَ في مِن قَوْلِهِ:﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ صِلَةً لِلتَّرْكِيبِ، وهو حَسَنٌ، وفي القِراءَةِ الثّانِيَةِ جَعَلَهُ صِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ وهو ضَعِيفٌ، واعْلَمْ أنَّ اعْتِراضَ القُرّاءِ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي، فَأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ فَغَيْرُ مُتَوَجِّهٍ.

والثّالِثُ: نَقَلَ القَفّالُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ الأوَّلُ: ما هَلْ هي مَزِيدَةٌ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها لَيْسَتْ مَزِيدَةً، بَلْ هي في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ فَيَكُونُ المَعْنى في أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ أنْ يُرَكِّبَكَ فِيها رَكَّبَكَ، وبِناءً عَلى هَذا الوَجْهِ، قالَ أبُو صالِحٍ ومُقاتِلٌ: المَعْنى إنْ شاءَ رَكَّبَكَ في غَيْرِ صُورَةِ الإنْسانِ مِن صُورَةِ كَلْبٍ أوْ صُورَةِ حِمارٍ أوْ خِنْزِيرٍ أوْ قِرْدٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها صِلَةٌ مُؤَكَّدَةٌ والمَعْنى في أيِّ صُورَةٍ تَقْتَضِيها مَشِيئَتُهُ وحِكْمَتُهُ مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُرَكِّبُكَ عَلى مِثْلِها، وعَلى هَذا القَوْلِ تَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ شَبَهُ الأبِ والأُمِّ، أوْ أقارِبِ الأبِ أوْ أقارِبِ الأُمِّ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ يُرَكِّبُكَ عَلى مِثْلِ صُوَرِ هَؤُلاءِ ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: «”إذا اسْتَقَرَّتِ النُّطْفَةُ في الرَّحِمِ، أحْضَرَها اللَّهُ كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَها وبَيْنَ آدَمَ“» .

والثّانِي: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ أنَّ المُرادَ مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ الِاخْتِلافُ بِحَسَبِ الطُّولِ والقِصَرِ والحُسْنِ والقُبْحِ والذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ، ودَلالَةُ هَذِهِ الحالَةِ عَلى الصّانِعِ القادِرِ في غايَةِ الظُّهُورِ، لِأنَّ النُّطْفَةَ جِسْمٌ مُتَشابِهُ الأجْزاءِ وتَأْثِيرُ طَبْعِ الأبَوَيْنِ فِيهِ عَلى السَّوِيَّةِ، فالفاعِلُ المُؤَثِّرُ بِالطَّبِيعَةِ في القابِلِ المُتَشابِهِ لا يَفْعَلُ إلّا فِعْلًا واحِدًا، فَلَمّا اخْتَلَفَتِ الآثارُ والصِّفاتُ دَلَّ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ عَلى أنَّ المُدَبِّرَ هو القادِرُ المُخْتارُ، قالَ القَفّالُ:

صفحة ٧٥

اخْتِلافُ الخَلْقِ والألْوانِ كاخْتِلافِ الأحْوالِ في الغِنى والفَقْرِ والصِّحَّةِ والسَّقَمِ، فَكَما أنّا نَقْطَعُ أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما مَيَّزَ البَعْضَ عَنِ البَعْضِ في الغِنى والفَقْرِ، وطُولِ العُمُرِ وقِصَرِهِ، بِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ لا يُحِيطُ بِكُنْهِها إلّا هو، فَكَذَلِكَ نَعْلَمُ أنَّهُ إنَّما جَعَلَ البَعْضَ مُخالِفًا لِلْبَعْضِ، في الخَلْقِ والألْوانِ بِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّ بِسَبَبِ هَذا الِاخْتِلافِ يَتَمَيَّزُ المُحْسِنُ عَنِ المُسِيءِ والقَرِيبُ عَنِ الأجْنَبِيِّ، ثُمَّ قالَ: ونَحْنُ نَشْهَدُ شَهادَةً لا شَكَّ فِيها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ المَناظِرِ والهَيْئاتِ إلّا لَمّا عَلِمَ مِن صَلاحِ عِبادِهِ فِيهِ وإنْ كُنّا جاهِلِينَ بِعَيْنِ الصَّلاحِ.

القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الواسِطِيُّ: المُرادُ صُورَةُ المُطِيعِينَ والعُصاةِ فَلَيْسَ مَن رَكَّبَهُ عَلى صُورَةِ الوَلايَةِ كَمَن رَكَّبَهُ عَلى صُورَةِ العَداوَةِ، قالَ آخَرُونَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى صَفاءِ الأرْواحِ وظُلْمَتِها، وقالَ الحَسَنُ: مِنهم مَن صَوَّرَهُ لِيَسْتَخْلِصَهُ لِنَفْسِهِ، ومِنهم مَن صَوَّرَهُ لِيَشْغَلَهُ بِغَيْرِهِ.

مِثالُ الأوَّلِ: أنَّهُ خَلَقَ آدَمَ لِيَخُصَّهُ بِألْطافِ بِرِّهِ وإعْلاءِ قَدْرِهِ وأظْهَرَ رُوحَهُ مِن بَيْنِ جَمالِهِ وجَلالِهِ، وتَوَّجَهُ بِتاجِ الكَرامَةِ وزَيَّنَهُ بِرِداءِ الجَلالِ والهَيْبَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ عَلى الجُمْلَةِ، فَرَّعَ عَلَيْها شَرْحَ تَفاصِيلِ الأحْوالِ المُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ، وهو أنْواعٌ:

النَّوْعُ الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ زَجَرَهم عَنْ ذَلِكَ الِاغْتِرارِ بِقَوْلِهِ: (كَلّا)، و(بَلْ) حَرْفٌ وُضِعَ في اللُّغَةِ لِنَفْيِ شَيْءٍ قَدْ تَقَدَّمَ وتَحَقَّقَ غَيْرُهُ، فَلا جَرَمَ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ ”كَلّا“ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّكم لا تَسْتَقِيمُونَ عَلى تَوْجِيهِ نِعَمِي عَلَيْكم وإرْشادِي لَكم، بَلْ تُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ.

الثّانِي: كَلّا أيِ ارْتَدِعُوا عَنِ الِاغْتِرارِ بِكَرَمِ اللَّهِ، ثُمَّ كَأنَّهُ قالَ: