< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah081
At-Takwir (81)
The Overthrowing, makkah, 29 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
تَرْجِعُ إلَيْهِ فَخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ تَباعُدِها عَنْ ذَلِكَ المَطْلَعِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ عَوْدِها إلَيْهِ، فَهَذا مُحْتَمَلٌ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالخَمْسَةِ المُتَحَيِّرَةِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِجَمِيعِ الكَواكِبِ وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِالسَّبْعَةِ السَّيّارَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ﴿بِالخُنَّسِ﴾﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ أنَّها بَقَرُ الوَحْشِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي الظِّباءُ، وعَلى هَذا الخَنَسُ مِنَ الخَنَسِ في الأنْفِ وهو تَقْعِيرٌ في الأنْفِ فَإنَّ البَقَرَ والظِّباءَ أُنُوفُها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ (الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وهي الَّتِي تَدْخُلُ الكِناسَ والقَوْلُ هو الأوَّلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ وهَذا بِالنُّجُومِ ألْيَقُ مِنهُ بِبَقَرِ الوَحْشِ.
الثّانِي: أنَّ مَحَلَّ قَسَمِ اللَّهِ كُلَّما كانَ أعْظَمَ وأعْلى رُتْبَةً كانَ أوْلى، ولا شَكَّ أنَّ الكَواكِبَ أعْلى رُتْبَةً مِن بَقَرِ الوَحْشِ.
الثّالِثُ: أنْ (الخُنَّسِ) جَمْعُ خانِسٍ مِنَ الخُنُوسِ، وأمّا جَمْعُ خَنْساءَ وأخْنَسَ مِنَ الخَنَسِ خُنْسَ بِالسُّكُونِ والتَّخْفِيفِ، ولا يُقالُ: الخُنَّسُ فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ إلّا أنْ يَجْعَلَ الخُنَّسَ في الوَحْشِيَّةِ أيْضًا مِنَ الخُنُوسِ وهو اخْتِفاؤُها في الكِناسِ إذا غابَتْ عَنِ الأعْيُنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ عَسْعَسَ مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ إذا أقْبَلَ، وعَسْعَسَ إذا أدْبَرَ، وأنْشَدُوا في وُرُودِها بِمَعْنى أدْبَرَ قَوْلَ العَجّاجِ:
حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في مَعْنى أقْبَلَ:صفحة ٦٧
مُدَرَّجاتُ اللَّيْلِ لَمّا عَسْعَسا
ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ هاهُنا أقْبَلَ اللَّيْلُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِإقْبالِ اللَّيْلِ وهو قَوْلُهُ: (إذا عَسْعَسَ) وبِإدْبارِهِ أيْضًا وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ ”أدْبَرَ“ وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيِ امْتَدَّ ضَوْءُهُ وتَكامَلَ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ إشارَةٌ إلى أوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ إشارَةٌ إلى تَكامُلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ فَلا يَكُونُ فِيهِ تَكْرارٌ.* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ أيْ إذا أسْفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ:أحَدُهُما: أنَّهُ إذا أقْبَلَ الصُّبْحُ أقْبَلَ بِإقْبالِهِ رَوْحٌ ونَسِيمٌ، فَجَعَلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ عَلى المَجازِ، وقِيلَ تَنَفَّسَ الصُّبْحُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ اللَّيْلَ المُظْلِمَ بِالمَكْرُوبِ المَحْزُونِ الَّذِي جَلَسَ بِحَيْثُ لا يَتَحَرَّكُ، واجْتَمَعَ الحُزْنُ في قَلْبِهِ، فَإذا تَنَفَّسَ وجَدَ راحَةً. فَهاهُنا لَمّا طَلَعَ الصُّبْحُ فَكَأنَّهُ تَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ الحُزْنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنَفُّسِ وهو اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ.
فَإنْ قِيلَ: هاهُنا إشْكالٌ قَوِيٌّ وهو أنَّهُ حَلَفَ أنَّهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نُصَدِّقَهُ في ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ نَقْطَعْ بِوُجُوبِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى الظّاهِرِ، فَلا أقَلَّ مِنَ الِاحْتِمالِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ هَذا القُرْآنَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ لا كَلامَ اللَّهِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَلامَ جِبْرِيلَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، لِاحْتِمالِ أنَّ جِبْرِيلَ ألْقاهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ الإضْلالِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ جِبْرِيلَ مَعْصُومٌ لا يَفْعَلُ الإضْلالَ، لِأنَّ العِلْمَ بِعِصْمَةِ جِبْرِيلَ مُسْتَفادٌ مِن صِدْقِ النَّبِيِّ، وصِدْقَ النَّبِيِّ مُفَرَّعٌ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، وكَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا يَتَفَرَّعُ عَلى عِصْمَةِجِبْرِيلَ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وهو مُحالٌ. والجَوابُ: الَّذِينَ قالُوا: بِأنَّ القُرْآنَ إنَّما كانَ