< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah081
At-Takwir (81)
The Overthrowing, makkah, 29 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
تَعَطَّلَتْ عَمّا فِيها مِنَ الماءِ، وهَذا وإنْ كانَ مَجازًا إلّا أنَّهُ أشْبَهُ بِسائِرِ ما قَبْلَهُ، وأيْضًا فالعَرَبُ تُشَبِّهُ السَّحابَ بِالحامِلِ، قالَ تَعالى:﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾[الذّارِياتِ: ٢] .
الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ كُلُّ شَيْءٍ مِن دَوابِّ البَرِّ مِمّا لا يُسْتَأْنَسُ فَهو وحْشٌ، والجَمْعُ الوُحُوشُ، و(حُشِرَتْ) جُمِعَتْ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، قالَ قَتادَةُ: يُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الذُّبابُ لِلْقَصّاصِ، قالَ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْشُرُ الحَيَواناتِ كُلَّها في ذَلِكَ اليَوْمِ لِيُعَوِّضَها عَلى آلامِها الَّتِي وصَلَتْ إلَيْها في الدُّنْيا بِالمَوْتِ والقَتْلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَإذا عُوِّضَتْ عَلى تِلْكَ الآلامِ، فَإنْ شاءَ اللَّهُ أنْ يُبْقِيَ بَعْضَها في الجَنَّةِ إذا كانَ مُسْتَحْسَنًا فَعَلَ، وإنْ شاءَ أنْ يُفْنِيَهُ أفْناهُ عَلى ما جاءَ بِهِ الخَبَرُ، وأمّا أصْحابُنا فَعِنْدَهم أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ بِحُكْمِ الِاسْتِحْقاقِ، ولَكِنَّهُ تَعالى يَحْشُرُ الوُحُوشَ كُلَّها فَيَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، ثُمَّ
صفحة ٦٣
يُقالُ لَها مُوتِي فَتَمُوتُ، والغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ هاهُنا وُجُوهٌ:أحَدُها: أنَّهُ تَعالى إذا كانَ [ يَوْمُ القِيامَةِ ] يَحْشُرُ كُلَّ الحَيَواناتِ إظْهارًا لِلْعَدْلِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذا أنْ لا يَحْشُرَ المُكَلَّفِينَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ؟ .
الثّانِي: أنَّها تَجْتَمِعُ في مَوْقِفِ القِيامَةِ مَعَ شِدَّةِ نَفْرَتِها عَنِ النّاسِ في الدُّنْيا وتَبَدُّدِها في الصَّحارِي، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ اجْتِماعَها إلى النّاسِ لَيْسَ إلّا مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
والثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الحَيَواناتِ بَعْضُها غِذاءٌ لِلْبَعْضِ، ثُمَّ إنَّها في ذَلِكَ اليَوْمِ تَجْتَمِعُ ولا يَتَعَرَّضُ بَعْضُها لِبَعْضٍ، وما ذاكَ إلّا لِشِدَّةِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وفي الآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ لِابْنِ عَبّاسٍ وهو أنَّ حَشْرَ الوُحُوشِ عِبارَةٌ عَنْ مَوْتِها، يُقالُ - إذا أجْحَفَتِ السَّنَةُ بِالنّاسِ وأمْوالِهِمْ – حَشَرَتْهُمُ السَّنَةُ، وقُرِئَ (حُشِّرَتْ) بِالتَّشْدِيدِ.
السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ مِن سَجَرْتُ التَّنُّورَ إذا أوْقَدْتَها، والشَّيْءُ إذا وُقِدَ فِيهِ نَشَفَ ما فِيهِ مِنَ الرُّطُوبَةِ، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى في البِحارِ شَيْءٌ مِنَ المِياهِ البَتَّةَ، ثُمَّ إنَّ الجِبالَ قَدْ سُيِّرَتْ عَلى ما قالَ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ وحِينَئِذٍ تَصِيرُ البِحارُ والأرْضُ شَيْئًا واحِدًا في غايَةِ الحَرارَةِ والإحْراقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الأرْضُ لَمّا نَشَفَتْ مِياهُ البِحارِ رَبَتْ فارْتَفَعَتْ فاسْتَوَتْ بِرُءُوسِ الجِبالِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ الجِبالَ لَمّا انْدَكَّتْ وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُها وصارَتْ كالتُّرابِ وقَعَ ذَلِكَ التُّرابُ في أسْفَلِ الجِبالِ، فَصارَ وجْهُ الأرْضِ مُسْتَوِيًا مَعَ البِحارِ، ويَصِيرُ الكُلُّ بَحْرًا مَسْجُورًا.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ (سُجِّرَتْ) بِمَعْنى ”فُجِّرَتْ“ وذَلِكَ لِأنَّ بَيْنَ البِحارِ حاجِزًا عَلى ما قالَ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾[الرَّحْمَنِ: ١٩،٢٠] فَإذا رَفَعَ اللَّهُ ذَلِكَ الحاجِزَ فاضَ البَعْضُ في البَعْضِ، وصارَتِ البِحارُ بَحْرًا واحِدًا، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
وثالِثُها: (سُجِّرَتْ) أُوقِدَتْ، قالَ القَفّالُ: وهَذا التَّأْوِيلُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ في قُعُورِ البِحارِ، فَهي الآنَ غَيْرُ مَسْجُورَةٍ لِقِيامِ الدُّنْيا، فَإذا انْتَهَتْ مُدَّةُ الدُّنْيا أوْصَلَ اللَّهُ تَأْثِيرَ تِلْكَ النِّيرانِ إلى البِحارِ، فَصارَتْ بِالكُلِّيَّةِ مَسْجُورَةً بِسَبَبِ ذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْقِي الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ في البِحارِ، فَتَصِيرُ البِحارُ مَسْجُورَةً بِسَبَبِ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى بِالبِحارِ نِيرانًا عَظِيمَةً حَتّى تَتَسَخَّنَ تِلْكَ المِياهُ.
وأقُولُ هَذِهِ الوُجُوهُ مُتَكَلَّفَةٌ لا حاجَةَ إلى شَيْءٍ مِنها، لِأنَّ القادِرَ عَلى تَخْرِيبِ الدُّنْيا وإقامَةِ القِيامَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يَفْعَلَ بِالبِحارِ ما شاءَ مِن تَسْخِينٍ، ومِن قَلْبِ مِياهِها نِيرانًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ مِنهُ إلى أنْ يُلْقِيَ فِيها الشَّمْسَ والقَمَرَ، وأنْ يَكُونَ تَحْتَها نارُ جَهَنَّمَ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ العَلاماتِ السِّتَّ