< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah080
Abasa (80)
He frowned, makkah, 42 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
بِكَسْرِ إنّا كانَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلنَّظَرِ إلى طَعامِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ (لَهم مَغْفِرَةٌ)[النُّورِ: ٢٦] تَفْسِيرٌ لِلْوَعْدِ، ومَن فَتَحَ فَعَلى مَعْنى البَدَلِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ، لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ تَشْتَمِلُ عَلى كَوْنِ الطَّعامِ وحُدُوثِهِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾[البَقَرَةِ: ٢١٧] وقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾﴿النّارِ﴾[البُرُوجِ: ٤،٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ والمُرادُ شَقُّ الأرْضِ بِالنَّباتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ثَمانِيَةَ أنْواعٍ مِنَ النَّباتِ:
أوَّلُها: الحَبُّ: وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ وهو كُلُّ ما حُصِدَ مِن نَحْوِ الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وغَيْرِهِما، وإنَّما قَدَّمَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كالأصْلِ في الأغْذِيَةِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنَبًا﴾ وإنَّما ذَكَرَهُ بَعْدَ الحَبِّ لِأنَّهُ غِذاءٌ مِن وجْهٍ وفاكِهَةٌ مِن وجْهٍ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضْبًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الرُّطَبَةُ وهي الَّتِي إذا يَبِسَتْ سُمِّيَتْ بِالقَتِّ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَها بِالقَضْبِ وأصْلُهُ مِنَ القَطْعِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يُقْضَبُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وكَذَلِكَ القَضِيبُ لِأنَّهُ يُقْضَبُ أيْ يُقْطَعُ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضِّحاكِ ومُقاتِلٍ واخْتِيارُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ والأصْمَعِيِّ.
والثّانِي: قالَ المُبَرِّدُ: القَضْبُ هو العَلَفُ بِعَيْنِهِ، وأصْلُهُ مِن أنَّهُ يُقْضَبُ أيْ يُقْطَعُ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
والرّابِعُ والخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ومَنافِعُهُما قَدْ تَقَدَّمَتْ في هَذا الكِتابِ.
صفحة ٥٨
وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَدائِقَ غُلْبًا﴾ الأصْلُ في الوَصْفِ بِالغُلْبِ الرِّقابُ، فالغُلْبُ الغِلاظُ الأعْناقُ، الواحِدُ أغْلَبُ يُقالُ أسَدٌ أغْلَبُ. ثُمَّ هاهُنا قَوْلانِ:الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَ كُلِّ حَدِيقَةٍ بِأنَّ أشْجارَها مُتَكاثِفَةٌ مُتَقارِبَةٌ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ قالا: الغُلْبُ المُلْتَفَّةُ الشَّجَرِ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، يُقالُ: اغْلَوْلَبَ العُشْبُ واغْلَوْلَبَتِ الأرْضُ إذا التَفَّ عُشْبُها.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأشْجارِ بِالغِلَظِ والعِظَمِ، قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الشَّجَرَ العِظامَ، وقالَ الفَرّاءُ: الغُلْبُ ما غَلُظَ مِنَ النَّخْلِ.
وسابِعُها: قَوْلُهُ: (وفاكِهَةً) وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفاكِهَةَ مَعْطُوفَةً عَلى العِنَبِ والزَّيْتُونِ والنَّخْلِ وجَبَ أنْ لا تَدْخُلَ هَذِهِ الأشْياءُ في الفاكِهَةِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن جِهَةِ الظّاهِرِ، لِأنَّ المَعْطُوفَ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأبًّا﴾ والأبُّ هو المَرْعى، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لِأنَّهُ يُؤَبُّ أيْ يُؤَمُّ ويُنْتَجَعُ، والأبُّ والأمُّ أخَوانِ، قالَ الشّاعِرُ:
جِذْمُنا قَيْسٌ ونَجْدٌ دارُنا لَنا الأبُّ بِهِ والمَكْرَعُ
وقِيلَ: الأبُّ الفاكِهَةُ اليابِسَةُ لِأنَّها تُؤَبُّ لِلشِّتاءِ أيْ تُعَدُّ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ما يَغْتَذِي بِهِ النّاسُ والحَيَوانُ قالَ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ .قالَ الفَرّاءُ: خَلَقْناهُ مَنفَعَةً ومُتْعَةً لَكم ولِأنْعامِكُمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ لِأنَّ إنْباتَهُ هَذِهِ الأشْياءَ إمْتاعٌ لِجَمِيعِ الحَيَوانِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ وكانَ المَقْصُودُ مِنها أُمُورًا ثَلاثَةً: أوَّلُها: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ.
وثانِيها: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى القُدْرَةِ عَلى المَعادِ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا الإلَهَ الَّذِي أحْسَنَ إلى عَبِيدِهِ بِهَذِهِ الأنْواعِ العَظِيمَةِ مِنَ الإحْسانِ، لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَتَمَرَّدَ عَنْ طاعَتِهِ وأنْ يَتَكَبَّرَ عَلى عَبِيدِهِ؛ أتْبَعَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِما يَكُونُ مُؤَكِّدًا لِهَذِهِ الأغْراضِ وهو شَرْحُ أهْوالِ القِيامَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا سَمِعَها خافَ فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ الخَوْفُ إلى التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ والإيمانِ بِها والإعْراضِ عَنِ الكُفْرِ، ويَدْعُوهُ ذَلِكَ أيْضًا إلى تَرْكِ التَّكَبُّرِ عَلى النّاسِ، وإلى إظْهارِ التَّواضُعِ إلى كُلِّ أحَدٍ فَلا جَرَمَ ذَكَرَ القِيامَةَ فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي صَيْحَةَ القِيامَةِ وهي النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الصَّخِّ في اللُّغَةِ الطَّعْنُ والصَّكُّ، يُقالُ صَخَّ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ أيْ شَدَخَهُ، والغُرابُ يَصُخُّ بِمِنقارِهِ في دُبُرِ البَعِيرِ أيْ يَطْعَنُ، فَمَعْنى الصّاخَّةِ الصّاكَّةِ