< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


٥٢] . الوَجْهُ الثّانِي: لَعَلَّ هَذا العِتابَ لَمْ يَقَعْ عَلى ما صَدَرَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الفِعْلِ الظّاهِرِ، بَلْ عَلى ما كانَ مِنهُ في قَلْبِهِ، وهو أنَّ قَلْبَهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كانَ قَدْ مالَ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ قَرابَتِهِمْ وشَرَفِهِمْ وعُلُوِّ مَنصِبِهِمْ، وكانَ يَنْفِرُ طَبْعُهُ عَنِ الأعْمى بِسَبَبِ عَماهُ وعَدَمِ قَرابَتِهِ وقِلَّةِ شَرَفِهِ، فَلَمّا وقَعَ التَّعْبِيسُ والتَّوَلِّي لِهَذِهِ الدّاعِيَةِ وقَعَتِ المُعاتَبَةُ، لا عَلى التَّأْدِيبِ بَلْ عَلى التَّأْدِيبِ لِأجْلِ هَذِهِ الدّاعِيَةِ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي أنَّ ذِكْرَهُ بِلَفْظِ الأعْمى لَيْسَ لِتَحْقِيرِ شَأْنِهِ، بَلْ كَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ بِسَبَبِ عَماهُ اسْتَحَقَّ مَزِيدَ الرِّفْقِ والرَّأْفَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكَ يا مُحَمَّدُ أنْ تَخُصَّهُ بِالغِلْظَةِ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّالِثِ أنَّهُ كانَ مَأْذُونًا في تَأْدِيبِ أصْحابِهِ لَكِنْ هاهُنا لَمّا أُوهِمَ تَقْدِيمُ الأغْنِياءِ عَلى الفُقَراءِ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُ تَرْجِيحَ الدُّنْيا عَلى الدِّينِ، فَلِهَذا السَّبَبِ جاءَتْ هَذِهِ المُعاتَبَةُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القائِلُونَ بِصُدُورِ الذَّنْبِ عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا لَمّا عاتَبَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ الفِعْلِ، دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ كانَ مَعْصِيَةً، وهَذا بَعِيدٌ فَإنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ كانَ هو الواجِبُ المُتَعَيَّنُ لا بِحَسَبِ هَذا الِاعْتِبارِ الواحِدِ، وهو أنَّهُ يُوهِمُ تَقْدِيمَ الأغْنِياءِ عَلى الفُقَراءِ، وذَلِكَ غَيْرُ لائِقٍ بِصَلابَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، كانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى تَرْكِ الِاحْتِياطِ، وتَرْكِ الأفْضَلِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ذَنْبًا البَتَّةَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الَّذِي عَبَسَ وتَوَلّى، هو الرَّسُولُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، وأجْمَعُوا [ عَلى ] أنَّ الأعْمى هو ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وقُرِئَ عَبَّسَ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ ونَحْوُهُ كَلَّحَ في كَلَحَ، أنْ جاءَهُ مَنصُوبٌ بِتَوَلّى أوْ بِعَبَسَ عَلى اخْتِلافِ المَذْهَبَيْنِ في إعْمالِ الأقْرَبِ أوِ الأبْعَدِ ومَعْناهُ: عَبَسَ لِأنْ جاءَهُ الأعْمى، وأعْرَضَ لِذَلِكَ، وقُرِئَ أنْ جاءَهُ بِهَمْزَتَيْنِ وبِألِفٍ بَيْنَهُما، وُقِفَ عَلى ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ثُمَّ ابْتُدِأ عَلى مَعْنى ألِأنْ جاءَهُ الأعْمى، والمُرادُ مِنهُ الإنْكارُ عَلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ في الإخْبارِ عَمّا فَرَطَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ الإقْبالِ عَلَيْهِ

صفحة ٥٢

بِالخِطابِ دَلِيلٌ عَلى زِيادَةِ الإنْكارِ، كَمَن يَشْكُو إلى النّاسِ جانِيًا جَنى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُقْبِلُ عَلى الجانِي إذا حَمِيَ في الشِّكايَةِ مُواجِهًا بِالتَّوْبِيخِ وإلْزامِ الحُجَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ دارِيًا بِحالِ هَذا الأعْمى لَعَلَّهُ يَتَطَهَّرُ بِما يَتَلَقَّنُ مِنكَ، مِنَ الجَهْلِ أوِ الإثْمِ، أوْ يَتَّعِظُ فَتَنْفَعَهُ ذِكْراكَ أيْ مَوْعِظَتُكَ، فَتَكُونَ لَهُ لُطْفًا في بَعْضِ الطّاعاتِ، وبِالجُمْلَةِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ العِلْمَ الَّذِي يَتَلَقَّفُهُ عَنْكَ يُطَهِّرُهُ عَنْ بَعْضِ ما لا يَنْبَغِي، وهو الجَهْلُ والمَعْصِيَةُ، أوْ يَشْغَلُهُ بِبَعْضِ ما يَنْبَغِي وهو الطّاعَةُ. الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ في لَعَلَّهُ لِلْكافِرِ، بِمَعْنى أنْتَ طَمِعْتَ في أنْ يَزَّكّى الكافِرُ بِالإسْلامِ أوْ يَذَّكَّرَ فَتُقَرِّبَهُ الذِّكْرى إلى قَبُولِ الحَقِّ ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ أنَّ ما طَمِعْتَ فِيهِ كائِنٌ، وقُرِئَ ”فَتَنْفَعُهُ“ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ”يَذَّكَّرُ“، وبِالنَّصْبِ جَوابًا لِلَعَلَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾[غافِرٍ: ٣٧] وقَدْ مَرَّ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ عَنِ الإيمانِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: اسْتَغْنى عَنِ اللَّهِ، وقالَ بَعْضُهم: اسْتَغْنى أثْرى؛ وهو فاسِدٌ هاهُنا، لِأنَّ إقْبالَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ لِثَرْوَتِهِمْ ومالِهِمْ حَتّى يُقالَ لَهُ أمّا مَن أثْرى، فَأنْتَ تُقْبِلُ عَلَيْهِ، ولِأنَّهُ قالَ: ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾﴿وهُوَ يَخْشى﴾ولَمْ يَقُلْ وهو فَقِيرٌ عَدِمٌ، ومَن قالَ: أمّا مَنِ اسْتَغْنى بِمالِهِ فَهو صَحِيحٌ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ اسْتَغْنى عَنِ الإيمانِ والقُرْآنِ بِما لَهُ مِنَ