< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


قَبْلَ حُصُولِها وبَعْدَ حُصُولِها، لِأنَّهُ يَسُوغُ لَهُ تَحْرِيضًا عَلى الجِهادِ وتَقْوِيَةً لِلنُّفُوسِ كَنَحْوِ ما كانَ يُنَفِّلُ واحِدًا في ابْتِداءِ المُحارَبَةِ، لِيُبالِغَ في الحَرْبِ، أوْ عِنْدَ الرَّجْعَةِ، أوْ يُعْطِيَهُ سَلَبَ القاتِلِ، أوْ يَرْضَخَ لِبَعْضِ الحاضِرِينَ ويُنَفِّلَهُ مِنَ الخُمُسِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَخْتَصُّ بِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ:﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ المُرادُ الأمْرُ الزّائِدُ عَلى ما كانَ مُسْتَحَقًّا لِلْمُجاهِدِينَ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنَّ حُكْمَها مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ والرَّسُولِ يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِقِسْمَتِها عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، ولَيْسَ الأمْرُ في قِسْمَتِها مُفَوَّضًا إلى رَأْيِ أحَدٍ.

البَحْثُ الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الغَنائِمُ كُلُّها لِلرَّسُولِ، فَنَسَخَها اللَّهُ بِآياتِ الخُمُسِ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ، وأُجِيبَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ مَعْناهُ أنَّ الحُكْمَ فِيها لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ، وهَذا المَعْنى باقٍ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَصِيرَ مَنسُوخًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنْ يَكُونَ أرْبَعَةُ أخْماسِها مِلْكًا لِلْغانِمِينَ.

الثّانِي: أنَّ آيَةَ الخُمُسِ تَدُلُّ عَلى كَوْنِ الغَنِيمَةِ مِلْكًا لِلْغانِمِينَ، والأنْفالُ هَهُنا مُفَسَّرَةٌ لا بِالغَنائِمِ، بَلْ بِالسَّلَبِ، وإنَّما يُنَفِّلُهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِبَعْضِ النّاسِ لِمَصْلَحَةٍ مِنَ المَصالِحِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: مَعْناهُ فاتَّقُوا عِقابَ اللَّهِ ولا تُقْدِمُوا عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، واتْرُكُوا المُنازَعَةَ والمُخاصَمَةَ بِسَبَبِ هَذِهِ الأحْوالِ، وارْضَوْا بِما حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

البَحْثُ الثّانِي: في قَوْلِهِ: ﴿وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أيْ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم مِنَ الأقْوالِ، ولَمّا كانَتِ

صفحة ٩٥

الأقْوالُ واقِعَةً في البَيْنِ، قِيلَ لَها: ذاتُ البَيْنِ، كَما أنَّ الأسْرارَ لَمّا كانَتْ مُضْمَرَةً في الصُّدُورِ قِيلَ لَها: ذاتُ الصُّدُورِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى نَهاهم عَنْ مُخالَفَةِ حُكْمِ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَهم بِطاعَةِ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ ثُمَّ بالَغَ في هَذا التَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ والمُرادُ أنَّ الإيمانَ الَّذِي دَعاكُمُ الرَّسُولُ إلَيْهِ ورَغِبْتُمْ فِيهِ لا يَتِمُّ حُصُولُهُ إلّا بِالتِزامِ هَذِهِ الطّاعَةِ، فاحْذَرُوا الخُرُوجَ عَنْها، واحْتَجَّ مَن قالَ: تَرْكُ الطّاعَةِ يُوجِبُ زَوالَ الإيمانِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ المُعَلَّقَ بِكَلِمَةِ ”إنْ“ عَلى الشَّيْءِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وهَهُنا الإيمانُ مُعَلَّقٌ عَلى الطّاعَةِ بِكَلِمَةِ﴿إنْ﴾ فَيَلْزَمُ عَدَمُ الإيمانِ عِنْدَ عَدَمِ الطّاعَةِ، وتَمامُ هَذِهِ المَسْألَةِ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾[النِّساءِ: ٣١] واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ واقْتَضى ذَلِكَ كَوْنَ الإيمانِ مُسْتَلْزِمًا لِلطّاعَةِ، شَرَحَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ مَزِيدَ شَرْحٍ وتَفْصِيلٍ، وبَيَّنَ أنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الطّاعاتِ فَقالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ أُمُورٍ خَمْسَةٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ يُقالُ: وجِلَ يَوْجَلُ وجَلًا، فَهو وجِلٌ، وأوْجَلَ إذا خافَ. قالَ الشّاعِرُ:

لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنِّي لَأوْجَلُ عَلى أيِّنا