< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah079
An-Naazi'aat (79)
Those who drag forth, makkah, 46 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
حَمْزَةُ وعاصِمٌ (ناخِرَةً) بِألِفٍ، وقَرَأ الباقُونَ (نَخِرَةً) بِغَيْرِ ألِفٍ، واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنِ الكِسائِيِّ فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ لا يُبالِي كَيْفَ قَرَأها، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها بِغَيْرِ ألِفٍ، ثُمَّ رَجَعَ إلى الألِفِ، واعْلَمْ أنَّ
صفحة ٣٤
أبا عُبَيْدَةَ اخْتارَ نَخِرَةً، وقالَ: نَظَرْنا في الآثارِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ العِظامِ الَّتِي قَدْ نَخِرَتْ، فَوَجَدْناها كُلَّها العِظامَ النَّخِرَةَ، ولَمْ نَسْمَعْ في شَيْءٍ مِنها النّاخِرَةَ، وأمّا مَن سِواهُ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ النّاخِرَةَ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ عَلى قَوْلَيْنِ: (الأوَّلُ) أنِ النّاخِرَةَ والنَّخِرَةَ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ الأخْفَشُ: هُما جَمِيعًا لُغَتانِ أيَّهُما قَرَأْتَ فَحَسَنٌ، وقالَ الفَرّاءُ: النّاخِرُ والنَّخِرُ سَواءٌ في المَعْنى بِمَنزِلَةِ الطّامِعِ والطَّمِعِ، والباخِلِ والبَخِلِ، وفي كِتابِ الخَلِيلِ: نَخِرَتِ الخَشَبَةُ إذا بَلِيَتْ فاسْتَرْخَتْ حَتّى تَتَفَتَّتَ إذا مُسَّتْ، وكَذَلِكَ العَظْمُ النّاخِرُ، ثُمَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قالُوا: هُما لُغَتانِ والمَعْنى واحِدٌ اخْتَلَفُوا، فَقالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: النّاخِرَةُ أشْبَهُ الوَجْهَيْنِ بِالآيَةِ لِأنَّها تُشْبِهُ أواخِرَ سائِرِ الآيِ نَحْوَ الحافِرَةِ والسّاهِرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: النّاخِرَةُ والنَّخِرُ كالطّامِعِ والطَّمِعِ، واللّابِثِ واللَّبِثِ، وفَعِلٌ أبْلَغُ مِن فاعِلٍ. (القَوْلُ الثّانِي): أنَّ النَّخِرَةَ غَيْرٌ والنّاخِرَةَ غَيْرٌ، أمّا النَّخِرَةُ فَهو مِن نَخِرَ العَظْمُ يَنْخَرُ فَهو نَخِرٌ مِثْلُ عَفِنَ يَعْفَنُ فَهو عَفِنٌ، وذَلِكَ إذا بَلِيَ وصارَ بِحَيْثُ لَوْ لَمَسْتَهُ لَتَفَتَّتَ، وأمّا النّاخِرَةُ فَهي العِظامُ الفارِغَةُ الَّتِي يَحْصُلُ مِن هُبُوبِ الرِّيحِ فِيها صَوْتٌ كالنَّخِيرِ، وعَلى هَذا النّاخِرَةُ مِنَ النَّخِيرِ بِمَعْنى الصَّوْتِ كَنَخِيرِ النّائِمِ والمَخْنُوقِ لا مِنَ النَّخَرِ الَّذِي هو البِلى.المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ إذا كُنّا عِظامًا نُرَدُّ ونُبْعَثُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ أنَّ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: أنا هو هَذا الجِسْمُ المَبْنِيُّ بِهَذِهِ البِنْيَةِ المَخْصُوصَةِ، فَإذا ماتَ الإنْسانُ فَقَدْ بَطَلَ مِزاجُهُ وفَسَدَ تَرْكِيبُهُ فَتَمْتَنِعُ إعادَتُهُ لِوُجُوهٍ:
(أحَدُها): أنَّهُ لا يَكُونُ الإنْسانُ العائِدُ هو الإنْسانُ الأوَّلُ إلّا إذا دَخَلَ التَّرْكِيبُ الأوَّلُ في الوُجُودِ مَرَّةً أُخْرى، وذَلِكَ قَوْلٌ بِإعادَةِ عَيْنِ ما عُدِمَ أوَّلًا، وهَذا مُحالٌ لِأنَّ الَّذِي عُدِمَ لَمْ يَبْقَ لَهُ عَيْنٌ ولا ذاتٌ ولا خُصُوصِيَّةٌ، فَإذا دَخَلَ شَيْءٌ آخَرُ في الوُجُودِ اسْتَحالَ أنْ يُقالَ بِأنَّ العائِدَ هو عَيْنُ ما فَنِيَ أوَّلًا.
وثانِيها: أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ تَصِيرُ تُرابًا وتَتَفَرَّقُ وتَخْتَلِطُ بِأجْزاءِ كُلِّ الأرْضِ وكُلِّ المِياهِ وكُلِّ الهَواءِ، فَتَمَيُّزُ تِلْكَ الأجْزاءِ بِأعْيانِها عَنْ كُلِّ هَذِهِ الأشْياءِ مُحالٌ.
وثالِثُها: أنَّ الأجْزاءَ التُّرابِيَّةَ بارِدَةٌ يابِسَةٌ قَشِفَةٌ، فَتَوَلُّدُ الإنْسانِ الَّذِي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ حارًّا رَطْبًا في مِزاجِهِ عَنْها مُحالٌ، هَذا تَمامُ تَقْرِيرِ كَلامِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ احْتَجُّوا عَلى إنْكارِ البَعْثِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها وهو الأقْوى: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ لِكُلِّ أحَدٍ بِقَوْلِهِ: أنا هو هَذا الهَيْكَلُ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ أجْزاءَ هَذا الهَيْكَلِ في الذَّوَبانِ والتَّبَدُّلِ، والَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: أنا لَيْسَ في التَّبَدُّلِ، والمُتَبَدِّلُ مُغايِرٌ لِما هو غَيْرُ مُتَبَدِّلٍ.
والثّانِي: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَعْرِفُ أنَّهُ هو حالَ كَوْنِهِ غافِلًا عَنْ أعْضائِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، والمَشْعُورُ بِهِ مُغايِرٌ لِما هو غَيْرُ مَشْعُورٍ بِهِ، وإلّا لاجْتَمَعَ النَّفْيُ والإثْباتُ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ لِكُلِّ أحَدٍ بِقَوْلِهِ: أنا لَيْسَ هو هَذا الهَيْكَلَ.
ثُمَّ هاهُنا ثَلاثَةُ احْتِمالاتٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَوْجُودًا قائِمًا بِنَفْسِهِ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا بِجُسْمانِيٍّ عَلى ما هو مَذْهَبُ طائِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الفَلاسِفَةِ ومِنَ المُسْلِمِينَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ جِسْمًا مُخالِفًا بِالماهِيَّةِ لِهَذِهِ الأجْسامِ القابِلَةِ