< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah079
An-Naazi'aat (79)
Those who drag forth, makkah, 46 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
عِظامًا نَخِرَةً﴾ أيْ: أنُبْعَثُ إذا صِرْنا عِظامًا نَخِرَةً.
(الثّانِي) قالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ: لَنَنْفُخَنَّ في الصُّورِ نَفْخَتَيْنِ، ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ ذِكْرُ الرّاجِفَةِ والرّادِفَةِ وهُما النَّفْخَتانِ.
(الثّالِثُ) قالَ الكِسائِيُّ: الجَوابُ المُضْمَرُ هو أنَّ القِيامَةَ واقِعَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾[الذّارِياتِ: ٥] وقالَ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ . .﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٧،١] فَكَذَلِكَ هاهُنا، فَإنَّ القُرْآنَ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ. (القَوْلُ الثّانِي) أنَّ الجَوابَ مَذْكُورٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ احْتِمالاتٌ:
(الأوَّلُ) المُقْسَمُ عَلَيْهِ هو قَوْلُهُ: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: والنّازِعاتِ غَرْقًا إنَّ يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ تَحْصُلُ قُلُوبٌ واجِفَةٌ وأبْصارُها خاشِعَةٌ.
(الثّانِي) جَوابُ القَسَمِ هو قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾[النّازِعاتِ: ١٥] فَإنَّ هَلْ
صفحة ٣٢
هاهُنا بِمَعْنى قَدْ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾[الغاشِيَةِ: ١] أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ.(الثّالِثُ) جَوابُ القَسَمِ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾[النّازِعاتِ: ٢٦] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في ناصِبِ (يَوْمَ) بِوَجْهَيْنِ:
(أحَدُهُما) أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالجَوابِ المُضْمَرِ والتَّقْدِيرُ: لَتُبْعَثُنَّ يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا مَعَ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى والرّاجِفَةُ هي النَّفْخَةُ الأُولى؟ قُلْنا: المَعْنى لَتُبْعَثُنَّ في الوَقْتِ الواسِعِ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ النَّفْخَتانِ، ولا شَكَّ أنَّهم يُبْعَثُونَ في بَعْضِ ذَلِكَ الوَقْتِ الواسِعِ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأُخْرى، ويَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ جُعِلَ حالًا عَنِ الرّاجِفَةِ.
(والثّانِي): أنْ يُنْصَبَ (يَوْمَ تَرْجُفُ) بِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ أيْ: يَوْمَ تَرْجُفُ وجَفَتِ القُلُوبُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الرَّجْفَةُ في اللُّغَةِ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
(أحَدُهُما) الحَرَكَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ [ المُزَّمِّلِ: ١٤] .
(الثّانِي) الهَدَّةُ المُنْكَرَةُ والصَّوْتُ الهائِلُ مِن قَوْلِهِمْ: رَجَفَ الرَّعْدُ يَرْجُفُ رَجْفًا ورَجِيفًا، وذَلِكَ تَرَدُّدُ أصْواتِهِ المُنْكَرَةِ وهَدْهَدَتُهُ في السَّحابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ فَعَلى هَذا الوَجْهِ الرّاجِفَةُ صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ فِيها هَوْلٌ وشِدَّةٌ كالرَّعْدِ، وأمّا الرّادِفَةُ فَكُلُّ شَيْءٍ جاءَ بَعْدَ شَيْءٍ آخَرَ يُقالُ: رَدِفَهُ، أيْ: جاءَ بَعْدَهُ، وأمّا القُلُوبُ الواجِفَةُ فَهي المُضْطَرِبَةُ الخائِفَةُ، يُقالُ: وجَفَ قَلْبُهُ يَجِفُ وِجافًا إذا اضْطَرَبَ، ومِنهُ إيجافُ الدّابَّةِ، وحَمْلُها عَلى السَّيْرِ الشَّدِيدِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ كَثِيرَةٌ في تَفْسِيرِ الواجِفَةِ ومَعْناها واحِدٌ، قالُوا: خائِفَةٌ وجِلَةٌ زائِدَةٌ عَنْ أماكِنِها قَلِقَةٌ مُسْتَوْفِزَةٌ مُرْتَكِضَةٌ شَدِيدَةُ الِاضْطِرابِ غَيْرُ ساكِنَةٍ، أبْصارُ أهْلِها خاشِعَةٌ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾[الشُّورى: ٤٥] إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ أحْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ، وزَعَمَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، ونَحْنُ نَذْكُرُ تَفاسِيرَ المُفَسِّرِينَ ثُمَّ نَشْرَحُ قَوْلَ أبِي مُسْلِمٍ.
أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ بَيْنَ الجُمْهُورِ، أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أحْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ فَهَؤُلاءِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
(أحَدُها) أنَّ الرّاجِفَةَ هي النَّفْخَةُ الأُولى، وسُمِّيَتْ بِهِ إمّا لِأنَّ الدُّنْيا تَتَزَلْزَلُ وتَضْطَرِبُ عِنْدَها، وإمّا لِأنَّ صَوْتَ تِلْكَ النَّفْخَةِ هي الرّاجِفَةُ، كَما بَيَّنّا القَوْلَ فِيهِ، والرّاجِفَةُ رَجْفَةٌ أُخْرى تَتْبَعُ الأُولى، فَتَضْطَرِبُ الأرْضُ لِإحْياءِ المَوْتى كَما اضْطَرَبَتْ في الأُولى لِمَوْتِ الأحْياءِ عَلى ما ذَكَرَهُ تَعالى في سُورَةِ الزُّمَرِ، ثُمَّ يُرْوى عَنِ الرَّسُولِ -ﷺ- أنَّ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعِينَ عامًا، ويُرْوى في هَذِهِ الأرْبَعِينَ يُمْطِرُ اللَّهُ الأرْضَ ويَصِيرُ ذَلِكَ الماءُ عَلَيْها كالنُّطَفِ، وأنَّ ذَلِكَ كالسَّبَبِ لِلْأحْياءِ، وهَذا مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ في الإعادَةِ، ولِلَّهِ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ ويَحْكُمَ ما يُرِيدُ.
(وثانِيها) الرّاجِفَةُ هي النَّفْخَةُ الأُولى والرّادِفَةُ هي قِيامُ السّاعَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾[النَّمْلِ: ٧٢]