< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


مَعْناهُ الخُرُوجُ، ثُمَّ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ الخالِيَةُ عَنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ المُشْتاقَةُ إلى الِاتِّصالِ العُلْوِيِّ بَعْدَ خُرُوجِها مِن ظُلْمَةِ الأجْسادِ تَذْهَبُ إلى عالَمِ المَلائِكَةِ، ومَنازِلِ القُدْسِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ في رَوْحٍ ورَيْحانٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَهابِها عَلى هَذِهِ الحالَةِ بِالسِّباحَةِ، ثُمَّ لا شَكَّ أنَّ مَراتِبَ الأرْواحِ في النَّفْرَةِ عَنِ الدُّنْيا ومَحَبَّةِ الِاتِّصالِ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ مُخْتَلِفَةٌ، فَكُلَّما كانَتْ أتَمَّ في هَذِهِ الأحْوالِ كانَ سَيْرُها إلى هُناكَ أسْبَقَ، وكُلَّما كانَتْ أضْعَفَ كانَ سَيْرُها إلى هُناكَ أثْقَلَ، ولا شَكَّ أنَّ الأرْواحَ السّابِقَةَ إلى هَذِهِ الأحْوالِ أشْرَفُ، فَلا جَرَمَ وقَعَ القَسَمُ بِها، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ العالِيَةَ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيها ما يَكُونُ لِقُوَّتِها وشَرَفِها يَظْهَرُ مِنها آثارٌ في أحْوالِ هَذا العالَمِ، فَهي﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ ألَيْسَ أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَرى أُسْتاذَهُ في المَنامِ ويَسْألُهُ عَنْ مُشْكِلَةٍ فَيُرْشِدُهُ إلَيْها؟ ألَيْسَ أنَّ الِابْنَ قَدْ يَرى أباهُ في المَنامِ فَيَهْدِيهِ إلى كَنْزٍ مَدْفُونٍ؟ ألَيْسَ أنَّ جالِينُوسَ قالَ: كُنْتُ مَرِيضًا فَعَجَزْتُ عَنْ عِلاجِ نَفْسِي، فَرَأيْتُ في المَنامِ واحِدًا أرْشَدَنِي إلى كَيْفِيَّةِ العِلاجِ؟ ألَيْسَ أنَّ الغَزالِيَّ قالَ: إنَّ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها، ثُمَّ اتَّفَقَ إنْسانٌ مُشابِهٌ لِلْإنْسانِ الأوَّلِ في الرُّوحِ والبَدَنِ، فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ لِلنَّفْسِ المُفارِقَةِ تَعَلُّقٌ بِهَذا البَدَنِ حَتّى تَصِيرَ كالمُعاوِنَةِ لِلنَّفْسِ المُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ البَدَنِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ فَتُسَمّى تِلْكَ المُعاوَنَةُ إلْهامًا؟ ونَظِيرُهُ في جانِبِ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ وسْوَسَةٌ، وهَذِهِ المَعانِي وإنْ لَمْ تَكُنْ مَنقُولَةً عَنِ المُفَسِّرِينَ إلّا أنَّ اللَّفْظَ

صفحة ٣٠

مُحْتَمِلٌ لَها جِدًّا.

الوَجْهُ الرّابِعُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِماتِ الخَمْسِ: أنَّها صِفاتُ خَيْلِ الغُزاةِ، فَهي نازِعاتٌ لِأنَّها تَنْزِعُ في أعِنَّتِها نَزْعًا تَغْرَقُ فِيهِ الأعِنَّةُ لِطُولِ أعْناقِها لِأنَّها عِرابٌ، وهي ناشِطاتٌ لِأنَّها تَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الحَرْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْرٌ ناشِطٌ إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وهي سابِحاتٌ لِأنَّها تَسْبَحُ في جَرْيِها، وهي سابِقاتٌ لِأنَّها تَسْبِقُ إلى الغايَةِ، وهي مُدَبِّراتٌ لِأمْرِ الغَلَبَةِ والظَّفَرِ، وإسْنادُ التَّدْبِيرِ إلَيْها مَجازٌ؛ لِأنَّها مِن أسْبابِهِ.

* * *

الوَجْهُ الخامِسُ: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ هَذِهِ صِفاتُ الغُزاةِ، فالنّازِعاتُ أيْدِي الغُزاةِ، يُقالُ لِلرّامِي: نَزَعَ في قَوْسِهِ، ويُقالُ: أغْرَقَ في النَّزْعِ إذا اسْتَوْفى مَدَّ القَوْسِ، والنّاشِطاتُ السِّهامُ وهي خُرُوجُها عَنْ أيْدِي الرُّماةِ ونُفُوذُها، وكُلُّ شَيْءٍ حَلَلْتَهُ فَقَدْ نَشَّطْتَهُ، ومِنهُ نَشاطُ الرَّجُلِ وهو انْبِساطُهُ وخِفَّتُهُ، والسّابِحاتُ في هَذا المَوْضِعِ الخَيْلُ وسَبْحُها العَدْوُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْنِيَ بِهِ الإبِلَ أيْضًا، والمُدَبِّراتُ مِثْلُ المُعَقِّباتِ، والمُرادُ أنَّهُ يَأْتِي في أدْبارِ هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو نَزْعُ السِّهامِ وسَبْحُ الخَيْلِ وسَبْقُها الأمْرُ الَّذِي هو النَّصْرُ، ولَفْظُ التَّأْنِيثِ إنَّما كانَ لِأنَّ هَؤُلاءِ جَماعاتٌ، كَما قِيلَ: المُدَبِّراتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الآلَةَ مِنَ القَوْسِ والأوْهاقِ، عَلى مَعْنى المَنزُوعِ فِيها والمَنشُوطِ بِها.

الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِماتِ بِالمَراتِبِ الواقِعَةِ في رُجُوعِ القَلْبِ مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى إلى اللَّهِ ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ هي الأرْواحُ الَّتِي تَنْزِعُ إلى اعْتِلاقِ العُرْوَةِ الوُثْقى، أوِ المَنزُوعَةُ عَنْ مَحَبَّةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ هي أنَّها بَعْدَ الرُّجُوعِ عَنِ الجُسْمانِيّاتِ تَأْخُذُ في المُجاهَدَةِ، والتَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِنَشاطٍ تامٍّ وقُوَّةٍ قَوِيَّةٍ. ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ثُمَّ إنَّها بَعْدَ المُجاهَدَةِ تَسْرَحُ في أمْرِ المَلَكُوتِ فَتَقْطَعُ في تِلْكَ البِحارِ فَتَسْبَحُ فِيها. ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ إشارَةٌ إلى تَفاوُتِ الأرْواحِ في دَرَجاتِ سَيْرِها إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾إشارَةٌ إلى أنَّ آخِرَ مَراتِبِ البَشَرِيَّةِ مُتَّصِلَةٌ بِأوَّلِ دَرَجاتِ المَلَكِيَّةِ، فَلَمّا انْتَهَتِ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ إلى أقْصى غاياتِها وهي