< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah078
An-Naba (78)
The Announcement, makkah, 40 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٧] ومِنهم مَن كانَ مُقِرًّا بِهِ، لَكِنَّهُ كانَ مُنْكِرًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، فَقَدْ حَصَلَ اخْتِلافُهم فِيهِ، وأيْضًا هَبْ أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لَهُ لَكِنْ لَعَلَّهُمُ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ إنْكارِهِ، فَمِنهم مَن كانَ يُنْكِرُهُ لِأنَّهُ كانَ يُنْكِرُ الصّانِعَ المُخْتارَ، ومِنهم مَن كانَ يُنْكِرُهُ لِاعْتِقادِهِ أنَّ إعادَةَ المَعْدُومِ مُمْتَنِعَةٌ لِذاتِها، والقادِرُ المُخْتارُ إنَّما يَكُونُ قادِرًا عَلى ما يَكُونُ مُمْكِنًا في نَفْسِهِ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ .
والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّ الَّذِينَ كانُوا يَتَساءَلُونَ هُمُ الكُفّارُ والمُؤْمِنُونَ، وكانُوا جَمِيعًا يَتَساءَلُونَ عَنْهُ، أمّا المُسْلِمُ فَلِيَزْدادَ بَصِيرَةً ويَقِينًا في دِينِهِ، وأمّا الكافِرُ فَعَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، أوْ عَلى سَبِيلِ إيرادِ الشُّكُوكِ والشُّبُهاتِ.
والِاحْتِمالُ الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَسْألُونَ الرَّسُولَ، ويَقُولُونَ: ما هَذا الَّذِي تَعِدُنا بِهِ مِن أمْرِ الآخِرَةِ؟
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ النَّبَإ العَظِيمِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ هو القِيامَةُ وهَذا هو الأقْرَبُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: (سَيَعْلَمُونَ) والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهم سَيَعْلَمُونَ هَذا الَّذِي يَتَساءَلُونَ عَنْهُ حِينَ لا تَنْفَعُهم تِلْكَ المَعْرِفَةُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ هو القِيامَةُ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَهُ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾[النَّبَإ: ١٨]
صفحة ٥
وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى إنَّما قَدَّمَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ لِبَيانِ كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى إقامَةِ القِيامَةِ، ولَمّا كانَ الَّذِي أثْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ في هَذِهِ السُّورَةِ هو هَذِهِ المَسْألَةُ ثَبَتَ أنَّ النَّبَأ العَظِيمَ الَّذِي كانُوا يَتَساءَلُونَ عَنْهُ هو يَوْمُ القِيامَةِ.وثالِثُها: أنَّ العَظِيمَ اسْمٌ لِهَذا اليَوْمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٤-٦] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾[ص: ٦٨،٦٧] ولِأنَّ هَذا اليَوْمَ أعْظَمُ الأشْياءِ لِأنَّ ذَلِكَ مُنْتَهى فَزَعِ الخَلْقِ وخَوْفِهِمْ مِنهُ، فَكانَ تَخْصِيصُ اسْمِ العَظِيمِ بِهِ لائِقًا.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ القُرْآنُ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا الوَجْهِ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّبَأ العَظِيمَ هو الَّذِي كانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وذَلِكَ هو القُرْآنُ؛ لِأنَّ بَعْضَهم جَعَلَهُ سِحْرًا وبَعْضَهم شِعْرًا، وبَعْضَهم قالَ: إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، فَأمّا البَعْثُ ونُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ -ﷺ - فَقَدْ كانُوا مُتَّفِقِينَ عَلى إنْكارِهِما، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الِاخْتِلافَ كانَ حاصِلًا في البَعْثِ.
الثّانِي: أنَّ النَّبَأ اسْمُ الخَبَرِ لا اسْمَ المُخْبَرِ عَنْهُ، فَتَفْسِيرُ النَّبَإ بِالقُرْآنِ أوْلى مِن تَفْسِيرِهِ بِالبَعْثِ أوِ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِنَبَأٍ بَلْ مُنْبَأٍ عَنْهُ، ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ سُمِّيَ ذِكْرًا وتَذْكِرَةً وذِكْرى وهِدايَةً وحَدِيثًا، فَكانَ اسْمُ النَّبَأِ بِهِ ألْيَقَ مِنهُ بِالبَعْثِ والنُّبُوَّةِ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ إذا كانَ اسْمُ النَّبَأِ ألْيَقَ بِهَذِهِ الألْفاظِ فاسْمُ العَظِيمِ ألْيَقُ بِالقِيامَةِ وبِالنُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ لا عَظَمَةَ في ألْفاظٍ، إنَّما العَظَمَةُ في المَعانِي، ولِلْأوَّلِينَ أنْ يَقُولُوا إنَّها عَظِيمَةٌ أيْضًا في الفَصاحَةِ والِاحْتِواءِ عَلى العُلُومِ الكَثِيرَةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ أنَّ العَظِيمَ حَقِيقَةٌ في الأجْسامِ مَجازٌ في غَيْرِها، وإذا ثَبَتَ التَّعارُضُ بَقِيَ ما ذَكَرْنا مِنَ الدَّلائِلِ سَلِيمًا.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ النَّبَأ العَظِيمَ هو نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ -ﷺ -، قالُوا: وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا بُعِثَ الرَّسُولُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- جَعَلُوا يَتَساءَلُونَ بَيْنَهم: ماذا الَّذِي حَدَثَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم عَجِبُوا مِن إرْسالِ اللَّهِ مُحَمَّدًا -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- إلَيْهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾[ق: ٢]، وعَجِبُوا