< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah077
Al-Mursalaat (77)
The Emissaries, makkah, 50 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
عَلَيْهِمُ السَّلامُ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ هُمُ الأشْخاصُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا بِالوَحْيِ المُشْتَمِلِ عَلى كُلِّ خَيْرٍ ومَعْرُوفٍ، فَإنَّهُ لا شَكَّ أنَّهم أُرْسِلُوا بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو مِفْتاحُ كُلِّ خَيْرٍ ومَعْرُوفٍ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ مَعْناهُ أنَّ أمْرَ كُلِّ رَسُولٍ يَكُونُ في أوَّلِ الأمْرِ حَقِيرًا ضَعِيفًا، ثُمَّ يَشْتَدُّ ويَعْظُمُ ويَصِيرُ في القُوَّةِ كَعَصْفِ الرِّياحِ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ المُرادُ مِنهُ انْتِشارُ دِينِهِمْ ومَذْهَبِهِمْ ومَقالَتِهِمْ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ المُرادُ أنَّهم يَفْرِقُونَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والتَّوْحِيدِ والإلْحادِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ المُرادُ أنَّهم يَدْعُونَ الخَلْقَ إلى ذِكْرِ اللَّهِ، ويَأْمُرُونَهم بِهِ ويَحُثُّونَهم عَلَيْهِ.
القَوْلُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ مُشْتَغِلًا بِمَصالِحِ الدُّنْيا مُسْتَغْرِقًا في طَلَبِ لَذّاتِها وراحاتِها، فَفي أثْناءِ ذَلِكَ يَرِدُ في قَلْبِهِ داعِيَةُ الإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والرَّغْبَةِ في خِدْمَةِ المَوْلى، فَتِلْكَ الدَّواعِي هي المُرْسَلاتُ عُرْفًا، ثُمَّ هَذِهِ المُرْسَلاتُ لَها أثَرانِ:
أحَدُهُما: إزالَةُ حُبِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى عَنِ القَلْبِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ .
والثّانِي: ظُهُورُ أثَرِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في جَمِيعِ الجَوارِحِ والأعْضاءِ حَتّى لا يَسْمَعَ إلّا اللَّهَ، ولا يُبْصِرَ إلّا اللَّهَ، ولا يَنْظُرَ إلّا اللَّهَ، فَذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ثُمَّ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْكَشِفُ لَهُ نُورُ جَلالِ اللَّهِ فَيَراهُ مَوْجُودًا، ويَرى كُلَّ ما سِواهُ مَعْدُومًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ثُمَّ يَصِيرُ العَبْدُ كالمُشْتَهِرِ في مَحَبَّتِهِ، ولا يَبْقى في قَلْبِهِ ولِسانِهِ إلّا ذِكْرُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ الأخِيرَةَ وإنْ كانَتْ غَيْرَ مَذْكُورَةٍ إلّا أنَّها مُحْتَمَلَةٌ جِدًّا.
وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ لا يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكَلِماتِ الخَمْسِ شَيْئًا واحِدًا فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ واخْتِيارُ القاضِي، وهو أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ هي الرِّياحُ، فَقَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ هي الرِّياحُ الَّتِي تَتَّصِلُ عَلى
صفحة ٢٣٦
العُرْفِ المُعْتادِ، ”والعاصِفاتِ“ ما يَشْتَدُّ مِنهُ، ”والنّاشِراتِ“ ما يَنْشُرُ السَّحابَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ فَهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحَلّالِ والحَرامِ، بِما يَتَحَمَّلُونَهُ مِنَ القُرْآنِ والوَحْيِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ أنَّها المَلائِكَةُ المُتَحَمِّلَةُ لِلذِّكْرِ المُلْقِيَةُ ذَلِكَ إلى الرُّسُلِ. فَإنْ قِيلَ: وما المُجانَسَةُ بَيْنَ الرِّياحِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ حَتّى يَجْمَعَ بَيْنَهُما في القَسَمِ ؟قُلْنا: المَلائِكَةُ رُوحانِيُّونَ، فَهم بِسَبَبِ لَطافَتِهِمْ وسُرْعَةِ حَرَكاتِهِمْ كالرِّياحِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الِاثْنَيْنِ الأوَّلَيْنِ هُما الرِّياحُ، فَقَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ هُما الرِّياحُ، والثَّلاثَةُ الباقِيَةُ المَلائِكَةُ؛ لِأنَّها تَنْشُرُ الوَحْيَ والدِّينَ، ثُمَّ لِذَلِكَ الوَحْيِ أثَرانِ:
أحَدُهُما: حُصُولُ الفَرْقِ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ.
والثّانِي: ظُهُورُ ذِكْرِ اللَّهِ في القُلُوبِ والألْسِنَةِ، وهَذا القَوْلُ ما رَأيْتُهُ لِأحَدٍ، ولَكِنَّهُ ظاهِرُ الِاحْتِمالِ أيْضًا، والَّذِي يُؤَكِّدُهُ أنَّهُ قالَ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ عَطَفَ الثّانِيَ عَلى الأوَّلِ بِحَرْفِ الفاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ الواوَ فَقالَ: ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ وعَطَفَ الِاثْنَيْنِ الباقِيَيْنِ عَلَيْهِ بِحَرْفِ الفاءِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الأوَّلانِ مُمْتازَيْنِ عَنِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِالأوَّلَيْنِ المَلائِكَةُ، فَقَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ مَلائِكَةُ العَذابِ، والثَّلاثَةُ الباقِيَةُ آياتُ القُرْآنِ؛ لِأنَّها تَنْشُرُ الحَقَّ في القُلُوبِ والأرْواحِ، وتُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وتُلْقِي الذِّكْرَ في القُلُوبِ والألْسِنَةِ، وهَذا القَوْلُ أيْضًا ما رَأيْتُهُ لِأحَدٍ، وهو مُحْتَمَلٌ، ومَن وقَفَ عَلى ما ذَكَرْناهُ أمْكَنَهُ أنْ يَذْكُرَ فِيهِ وُجُوهًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القَفّالُ: الوَجْهُ في دُخُولِ الفاءِ في بَعْضِ ما وقَعَ بِهِ القَسَمُ، والواوِ في بَعْضٍ - مَبْنِيٌّ عَلى الأصْلِ، وهو أنَّ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ الفاءُ تَقْتَضِي الوَصْلَ والتَّعَلُّقَ، فَإذا قِيلَ: قامَ زَيْدٌ فَذَهَبَ، فالمَعْنى أنَّهُ قامَ لِيَذْهَبَ، فَكانَ قِيامُهُ سَبَبًا لِذَهابِهِ ومُتَّصِلًا بِهِ، وإذا