< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah075
Al-Qiyaama (75)
The Resurrection, makkah, 40 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
عِظامَهُ﴾ وهو تَصْرِيحٌ بِالفَرْقِ بَيْنَ النَّفْسِ والبَدَنِ.
الثّانِي: إنْ سَلَّمْنا أنَّ الإنْسانَ هو هَذا البَدَنُ فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ بَعْدَ تَفْرِيقِ أجْزائِهِ لا يُمْكِنُ جَمْعُهُ مَرَّةً أُخْرى، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ فَيَكُونُ عالِمًا بِالجُزْءِ الَّذِي هو بَدَنُ عَمْرٍو، وهو تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ وذَلِكَ التَّرْكِيبُ مِنَ المُمْكِناتِ، وإلّا لَما وُجِدَ أوَّلًا، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى تَرْكِيبِها. ومَتى ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ لا يَبْقى في المَسْألَةِ إشْكالٌ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو إنْكارُ مَن أنْكَرَ المَعادَ بِناءً عَلى الشَّهْوَةِ فَهو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ومَعْناهُ أنَّ الإنْسانَ الَّذِي يَمِيلُ طَبْعُهُ إلى الِاسْتِرْسالِ في الشَّهَواتِ والِاسْتِكْثارِ مِنَ اللَّذّاتِ لا يَكادُ يُقِرُّ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ وبَعْثِ الأمْواتِ لِئَلّا تَتَنَغَّصَ عَلَيْهِ اللَّذّاتُ الجُسْمانِيَّةُ، فَيَكُونُ أبَدًا مُنْكِرًا لِذَلِكَ قائِلًا عَلى سَبِيلِ الهُزُؤِ والسُّخْرِيَةِ ﴿أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ .
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَلاماتِ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن عَلاماتِ القِيامَةِ في هَذا المَوْضِعِ أُمُورًا ثَلاثَةً:
أوَّلُها: قَوْلُهُ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها، قالَ الأخْفَشُ: المَكْسُورَةُ في كَلامِهِمْ أكْثَرُ والمَفْتُوحَةُ لُغَةٌ أيْضًا. قالَ الزَّجّاجُ: بَرِقَ بَصَرُهُ بِكَسْرِ الرّاءِ يَبْرُقُ بَرْقًا إذا تَحَيَّرَ، والأصْلُ فِيهِ أنْ يُكْثِرَ الإنْسانُ مِنَ النَّظَرِ إلى لَمَعانِ البَرْقِ، فَيُؤَثِّرُ ذَلِكَ في ناظِرِهِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ في كُلِّ حَيْرَةٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ نَظَرٌ إلى البَرْقِ، كَما قالُوا: قَمِرَ بَصَرُهُ إذا فَسَدَ مِنَ النَّظَرِ إلى القَمَرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ في الحَيْرَةِ، وكَذَلِكَ بَعِلَ الرَّجُلُ في أمْرِهِ، أيْ تَحَيَّرَ ودَهِشَ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: بَعَلَتِ المَرْأةُ إذا فاجَأها زَوْجُها، فَنَظَرَتْ إلَيْهِ وتَحَيَّرَتْ، وأمّا بَرَقَ بِفَتْحِ الرّاءِ، فَهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ لَمَعَ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: ”بَلَقَ“ بِمَعْنى انْفَتَحَ، يُقالُ: بَلَقَ البابُ وأبْلَقْتُهُ وبَلَقْتُهُ فَتَحْتُهُ.
صفحة ١٩٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الحالَةَ: مَتى تَحْصُلُ ؟ فَقِيلَ: عِنْدَ المَوْتِ، وقِيلَ: عِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: عِنْدَ رُؤْيَةِ جَهَنَّمَ، فَمَن قالَ: إنَّ هَذا يَكُونُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَ: إنَّ البَصَرَ يَبْرُقُ عَلى مَعْنى يَشْخَصُ عِنْدَ مُعايَنَةِ أسْبابِ المَوْتِ والمَلائِكَةِ، كَما يُوجَدُ ذَلِكَ في كُلِّ واحِدٍ إذا قَرُبَ مَوْتُهُ، ومَن مالَ إلى هَذا التَّأْوِيلِ، قالَ: إنَّهم إنَّما سَألُوهُ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، لَكِنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الحادِثَةَ عِنْدَ المَوْتِ، والسَّبَبُ فِيهِ مِن وجْهَيْنِ:الأوَّلُ: أنَّ المُنْكِرَ لَمّا قالَ: ﴿أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ فَقِيلَ لَهُ: إذا بَرِقَ البَصَرُ وقَرُبَ المَوْتُ زالَتْ عَنْهُ الشُّكُوكُ، وتَيَقَّنَ حِينَئِذٍ أنَّ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ مِن إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ خَطَأٌ.
الثّانِي: أنَّهُ إذا قَرُبَ مَوْتُهُ وبَرِقَ بَصَرُهُ تَيَقَّنَ أنَّ إنْكارَ البَعْثِ لِأجْلِ طَلَبِ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ كانَ باطِلًا، وأمّا مَن قالَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ، قالَ: لِأنَّ السُّؤالَ إنَّما كانَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَقَعَ الجَوابُ بِما يَكُونُ مِن خَواصِّهِ وآثارِهِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ .
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن خُسُوفِ القَمَرِ ذَهابَ ضَوْئِهِ كَما نَعْقِلُهُ مِن حالِهِ إذا خَسَفَ في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ذَهابَهُ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾[ القَصَصِ: ٨١] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”وخُسِفَ القَمَرُ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في