< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


جَزُوعًا﴾﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾[ المَعارِجِ: ١٩] واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ”لَوّامَةِ“ يُنْبِئُ عَنِ التَّكْرارِ والإعادَةِ، وكَذا القَوْلُ في لَوّامٍ وعَذّابٍ وضَرّارٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ إشْكالاتٍ:

أحَدُها: ما المُناسِبَةُ بَيْنَ القِيامَةِ وبَيْنَ النَّفْسِ اللَّوّامَةِ، حَتّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُما في القَسَمِ ؟

وثانِيها: المُقْسَمُ عَلَيْهِ هو وُقُوعُ القِيامَةِ، فَيَصِيرُ حاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِوُقُوعِ القِيامَةِ.

وثالِثُها: لِمَ قالَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: والقِيامَةِ، كَما قالَ في سائِرِ السُّوَرِ: ”والطَّوْرِ“، ”والذّارِياتِ“، ”والضُّحى“ ؟

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ أحْوالَ القِيامَةِ عَجِيبَةٌ جِدًّا، ثُمَّ المَقْصُودُ مِن إقامَةِ القِيامَةِ إظْهارُ أحْوالِ النُّفُوسِ اللَّوّامَةِ. أعْنِي سَعادَتَها وشَقاوَتَها، فَقَدْ حَصَلَ بَيْنَ القِيامَةِ والنُّفُوسِ اللَّوّامَةِ هَذِهِ المُناسَبَةُ الشَّدِيدَةُ.

وثانِيها: أنَّ القَسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ تَنْبِيهٌ عَلى عَجائِبِ أحْوالِ النَّفْسِ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ» “ ومِن أحْوالِها العَجِيبَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [ الذّارِياتِ: ٥٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ﴾[ الأحْزابِ: ٧٢] وقالَ قائِلُونَ: القَسَمُ وقَعَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ عَلى مَعْنى التَّعْظِيمِ لَها مِن حَيْثُ إنَّها أبَدًا تَسْتَحْقِرُ فِعْلَها وجِدَّها واجْتِهادَها في طاعَةِ اللَّهِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِالقِيامَةِ، ولَمْ يُقْسِمْ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، وهَذا عَلى القِراءَةِ الشّاذَّةِ الَّتِي رَوَيْناها عَنِ الحَسَنِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ”أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ“ تَعْظِيمًا لَها، ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ تَحْقِيرًا لَها، لِأنَّ النَّفْسَ اللَّوّامَةَ إمّا أنْ تَكُونَ كافِرَةً بِالقِيامَةِ مَعَ عِظَمِ أمْرِها، وإمّا أنْ تَكُونَ فاسِقَةً مُقَصِّرَةً في العَمَلِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَإنَّها تَكُونُ مُسْتَحْقِرَةً.

وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: فالجَوابُ عَنْهُ ما ذَكَرْنا أنَّ المُحَقِّقِينَ قالُوا: القَسَمُ بِهَذِهِ الأشْياءِ قَسَمٌ بِرَبِّها وخالِقِها في الحَقِيقَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أُقْسِمُ بِرَبِّ القِيامَةِ عَلى وُقُوعِ يَوْمِ القِيامَةِ.

وأمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: فَجَوابُهُ أنَّهُ حَيْثُ أقْسَمَ قالَ: ﴿والطُّورِ﴾﴿والذّارِياتِ﴾ وأمّا هَهُنا فَإنَّهُ نَفى كَوْنَهُ تَعالى مُقْسِمًا بِهَذِهِ الأشْياءِ، فَزالَ السُّؤالُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في جَوابِ القَسَمِ وُجُوهًا:

أحَدُها: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّهُ مَحْذُوفٌ عَلى تَقْدِيرِ

صفحة ١٩٢

لَيُبْعَثَنَّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ .

وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: وقَعَ القَسَمُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بَلى قادِرِينَ﴾ .

وثالِثُها: وهو أقْرَبُ، أنَّ هَذا لَيْسَ بِقَسَمٍ بَلْ هو نَفْيٌ لِلْقَسَمِ فَلا يَحْتاجُ إلى الجَوابِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لا أُقْسِمُ بِكَذا وكَذا عَلى شَيْءٍ، ولَكِنِّي أسْألُكَ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ مِنَ الإنْسانِ إنْسانٌ مُعَيَّنٌ، رُوِيَ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ خَتَنَ الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وهُما اللَّذانِ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِيهِما: ”اللَّهُمَّ اكْفِنِي شَرَّ جارَيِ السُّوءِ“، قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ مَتى يَكُونُ وكَيْفَ أمْرُهُ ؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ أُصَدِّقْكَ يا مُحَمَّدُ ولَمْ أُؤْمِن بِكَ، كَيْفَ يَجْمَعُ اللَّهُ العِظامَ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالإنْسانِ هَهُنا أبا جَهْلٍ، وقالَ جَمْعٌ مِنَ الأُصُولِيِّينَ: بَلِ المُرادُ بِالإنْسانِ المُكَذِّبُ بِالبَعْثِ عَلى الإطْلاقِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ قَتادَةُ: ”أنْ لَنْ تُجْمَعَ عِظامُهُ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى أنَّ الكافِرَ ظَنَّ أنَّ العِظامَ بَعْدَ تَفَرُّقِها وصَيْرُورَتِها تُرابًا واخْتِلاطِ تِلْكَ الأجْزاءِ بِغَيْرِها وبَعْدَما نَسَفَتْها الرِّياحُ وطَيَّرَتْها في أباعِدِ الأرْضِ لا يُمْكِنُ جَمْعُها مَرَّةً أُخْرى، وقالَ تَعالى في جَوابِهِ: ﴿بَلى﴾فَهَذِهِ