< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الآيَةِ إلى أنَّهُ تَعالى خَيَّرَهُ بَيْنَ أنْ يَقُومَ تَمامَ النِّصْفِ، وبَيْنَ أنْ يَقُومَ رُبُعَ اللَّيْلِ، وبَيْنَ أنْ يَقُومَ ثَلاثَةَ أرْباعِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الواجِبُ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ هو قِيامُ الرُّبُعِ، والزّائِدُ عَلَيْهِ يَكُونُ مِنَ المَندُوباتِ والنَّوافِلِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَزُولُ الإشْكالُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّ قَوْلَهُ:﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَقُمْ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ، ولا نِصْفَهُ، ولا ثُلُثَهُ؛ لِأنَّ الواجِبَ لَمّا كانَ هو الرُّبُعُ فَقَطْ لَمْ يَلْزَمْ مِن تَرْكِ قِيامِ الثُّلُثِ تَرْكُ شَيْءٍ مِنَ الواجِباتِ، فَزالَ السُّؤالُ المَذْكُورُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: رَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا، بَيِّنْهُ تَبْيِينًا، والتَّبْيِينُ لا يَتِمُّ بِأنْ يَعْجَلَ في القُرْآنِ، إنَّما يَتِمُّ بِأنْ يَتَبَيَّنَ جَمِيعَ الحُرُوفِ، ويُوَفِّيَ حَقَّها مِنَ الإشْباعِ، قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: ثَغْرٌ رَتْلٌ إذا كانَ بَيْنَ الثَّنايا افْتِراقٌ لَيْسَ بِالكَثِيرِ، وقالَ اللَّيْثُ: التَّرْتِيلُ تَنْسِيقُ الشَّيْءِ، وثَغْرٌ رَتْلٌ: حَسَنُ التَّنْضِيدِ، ورَتَّلْتُ الكَلامَ تَرْتِيلًا: إذا تَمَهَّلْتُ فِيهِ وأحْسَنْتُ تَأْلِيفَهُ، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿تَرْتِيلًا﴾ تَأْكِيدٌ في إيجابِ الأمْرِ بِهِ، وأنَّهُ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ لِلْقارِئِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِصَلاةِ اللَّيْلِ أمَرَهُ بِتَرْتِيلِ القُرْآنِ حَتّى يَتَمَكَّنَ الخاطِرُ مِنَ التَّأمُّلِ في حَقائِقِ تِلْكَ الآياتِ ودَقائِقِها، فَعِنْدَ الوُصُولِ إلى ذِكْرِ اللَّهِ يَسْتَشْعِرُ عَظْمَتَهُ وجَلالَتَهُ، وعِنْدَ الوُصُولِ إلى الوَعْدِ والوَعِيدِ يَحْصُلُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، وحِينَئِذٍ يَسْتَنِيرُ القَلْبُ بِنُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، والإسْراعُ في القِراءَةِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الوُقُوفِ عَلى المَعانِي؛ لِأنَّ النَّفْسَ تَبْتَهِجُ بِذِكْرِ الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ الرُّوحانِيَّةِ، ومَنِ ابْتَهَجَ بِشَيْءٍ أحَبَّ ذِكْرَهُ، ومَن أحَبَّ

صفحة ١٥٤

شَيْئًا لَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِ بِسُرْعَةٍ، فَظَهَرَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّرْتِيلِ إنَّما هو حُضُورُ القَلْبِ وكَمالُ المَعْرِفَةِ.

ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الثَّقِيلِ وُجُوهًا:

أحَدُها: وهو المُخْتارُ عِنْدِي أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ ثَقِيلًا عِظَمُ قَدْرِهِ وجَلالَةُ خَطَرِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ نَفَسَ وعَظُمَ خَطَرُهُ فَهو ثُقْلٌ وثَقِيلٌ وثاقِلٌ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ يَعْنِي كَلامًا عَظِيمًا، ووَجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِصَلاةِ اللَّيْلِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أمَرْتُكَ بِصَلاةِ اللَّيْلِ؛ لِأنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا عَظِيمًا، فَلا بُدَّ وأنْ تَسْعى في صَيْرُورَةِ نَفْسِكَ مُسْتَعِدَّةً لِذَلِكَ القَوْلِ العَظِيمِ، ولا يَحْصُلُ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ إلّا بِصَلاةِ اللَّيْلِ، فَإنَّ الإنْسانَ في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ إذا اشْتَغَلَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وأقْبَلَ عَلى ذِكْرِهِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ، والتَّضَرُّعِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ولَمْ يَكُنْ هُناكَ شَيْءٌ مِنَ الشَّواغِلِ الحِسِّيَّةِ، والعَوائِقِ الجُسْمانِيَّةِ اسْتَعَدَّتِ النَّفْسُ هُنالِكَ لِإشْراقِ جَلالِ اللَّهِ فِيها، وتَهَيَّأتْ لِلتَّجَرُّدِ التّامِّ، والِانْكِشافِ الأعْظَمِ بِحَسَبِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، فَلَمّا كانَ لِصَلاةِ اللَّيْلِ أثَرٌ في صَيْرُورَةِ النَّفْسِ مُسْتَعِدَّةً لِهَذا المَعْنى، لا جَرَمَ قالَ: إنِّي إنَّما أمَرْتُكَ بِصَلاةِ اللَّيْلِ؛ لِأنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، فَصَيِّرْ نَفْسَكَ مُسْتَعِدَّةً لِقَبُولِ ذَلِكَ المَعْنى، وتَمامُ هَذا المَعْنى ما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ لِرَبِّكم في أيّامِ دَهْرِكم نَفَحاتٍ ألا فَتَعَرَّضُوا لَها“ .

وثانِيها: قالُوا: المُرادُ بِالقَوْلِ الثَّقِيلِ، القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي هي تَكالِيفُ شاقَّةٌ ثَقِيلَةٌ عَلى المُكَلَّفِينَ عامَّةً، وعَلى رَسُولِ اللَّهِ خاصَّةً؛ لِأنَّهُ يَتَحَمَّلُها بِنَفْسِهِ ويُبَلِّغُها إلى أُمَّتِهِ، وحاصِلُهُ أنَّ ثِقَلَهُ راجِعٌ إلى ثِقَلِ العَمَلِ بِهِ، فَإنَّهُ لا مَعْنى لِلتَّكْلِيفِ إلّا إلْزامُ ما في فِعْلِهِ كُلْفَةٌ ومَشَقَّةٌ.

وثالِثُها: رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ ثَقِيلٌ في المِيزانِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو إشارَةٌ إلى كَثْرَةِ مَنافِعِهِ، وكَثْرَةِ الثَّوابِ في العَمَلِ بِهِ.

ورابِعُها: المُرادُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَثْقُلُ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ إلَيْهِ، رُوِيَ