< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


وقالَ:﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾[الزُّخْرُفِ: ٥٣] .

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَكَرَ أبُو زَيْدٍ البَلْخِيُّ في كِتابِهِ في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ: أنَّ العِلْمَ بِأنَّ هَذِهِ الخَشَبَةَ

صفحة ١٢٧

المَنحُوتَةَ في هَذِهِ السّاعَةِ لَيْسَتْ خالِقَةً لِلسَّماواتِ والأرْضِ والنَّباتِ والحَيَوانِ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ، والعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ لا يَجُوزُ وُقُوعُ الِاخْتِلافِ فِيها بَيْنَ العُقَلاءِ، وعِبادَةُ الأوْثانِ دِينٌ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ مَجِيءِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَدِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ الدِّينُ إلى هَذا الزَّمانِ، وأكْثَرُ سُكّانِ أطْرافِ المَعْمُورَةِ عَلى هَذا الدِّينِ، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذا الدِّينِ عَلى وجْهٍ لا يُعْرَفُ فَسادُهُ بِضَرُورَةِ العَقْلِ، وإلّا لَما بَقِيَ هَذِهِ المُدَّةَ المُتَطاوِلَةَ في أكْثَرِ أطْرافِ العالَمِ، فَإذًا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِلذّاهِبِينَ إلى ذَلِكَ المَذْهَبِ تَأْوِيلاتٌ:

أحَدُها: قالَ أبُو مَعْشَرٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُنَجِّمُ: هَذِهِ المَقالَةُ إنَّما تَوَلَّدَتْ مِن مَذْهَبِ القائِلِينَ بِأنَّ اللَّهَ جِسْمٌ، وفي مَكانٍ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ اللَّهَ نُورٌ هو أعْظَمُ الأنْوارِ، والمَلائِكَةُ الَّذِينَ هم حافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ الَّذِي هو مَكانُهُ، هم أنْوارٌ صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ النُّورِ الأعْظَمِ، فالَّذِينَ اعْتَقَدُوا هَذا المَذْهَبَ اتَّخَذُوا صَنَمًا هو أعْظَمُ الأصْنامِ عَلى صُورَةِ إلَهِهِمُ الَّذِي اعْتَقَدُوهُ، واتَّخَذُوا أصْنامًا مُتَفاوِتَةً، بِالكِبَرِ والصِّغَرِ والشَّرَفِ والخِسَّةِ عَلى صُورَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، واشْتَغَلُوا بِعِبادَةِ تِلْكَ الأصْنامِ عَلى اعْتِقادِ أنَّهم يَعْبُدُونَ الإلَهَ والمَلائِكَةَ، فَدِينُ عِبادَةِ الأوْثانِ إنَّما ظَهَرَ مِنَ اعْتِقادِ التَّجْسِيمِ.

الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ جَماعَةَ الصّابِئَةِ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ الإلَهَ الأعْظَمَ خَلَقَ هَذِهِ الكَواكِبَ الثّابِتَةَ والسَّيّارَةَ، وفَوَّضَ تَدْبِيرَ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ إلَيْها، فالبَشَرُ عَبِيدُ هَذِهِ الكَواكِبِ، والكَواكِبُ عَبِيدُ الإلَهِ الأعْظَمِ، فالبَشَرُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ عِبادَةُ الكَواكِبِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ كانَتْ تَطْلُعُ مَرَّةً وتَغِيبُ أُخْرى، فاتَّخَذُوا أصْنامًا عَلى صُوَرِها واشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها، وغَرَضُهم عِبادَةُ الكَواكِبِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا في قَدِيمِ الدَّهْرِ، كانُوا مُنَجِّمِينَ عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ الأحْكامِ، في إضافاتِ سَعاداتِ هَذا العالَمِ ونُحُوساتِها إلى الكَواكِبِ، فَإذا اتَّفَقَ في الفَلَكِ شَكْلٌ عَجِيبٌ صالِحٌ لِطَلْسَمٍ عَجِيبٍ، فَكانُوا يَتَّخِذُونَ ذَلِكَ الطَّلْسَمَ، وكانَ يَظْهَرُ مِنهُ أحْوالٌ عَجِيبَةٌ وآثارٌ عَظِيمَةٌ، وكانُوا يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ الطَّلْسَمَ ويُكْرِمُونَهُ ويَشْتَغِلُونَ بِعِبادَتِهِ، وكانُوا يَتَّخِذُونَ كُلَّ طَلْسَمٍ عَلى شَكْلٍ مُوافِقٍ لِكَوْكَبٍ خاصٍّ ولِبُرْجٍ خاصٍّ، فَقِيلَ: كانَ ودٌّ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ، وسُواعٌ عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ، ويَغُوثُ عَلى صُورَةِ أسَدٍ، ويَعُوقُ عَلى صُورَةِ فَرَسٍ، ونَسْرٌ عَلى صُورَةِ نَسْرٍ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ كانَ يَمُوتُ أقْوامٌ صالِحُونَ فَكانُوا يَتَّخِذُونَ تَماثِيلَ عَلى صُوَرِهِمْ ويَشْتَغِلُونَ بِتَعْظِيمِها، وغَرَضُهم تَعْظِيمُ أُولَئِكَ الأقْوامِ الَّذِينَ ماتُوا حَتّى يَكُونُوا شافِعِينَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾[الزُّمَرِ: ٣] .

الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّهُ رُبَّما ماتَ مَلِكٌ عَظِيمٌ، أوْ شَخْصٌ عَظِيمٌ، فَكانُوا يَتَّخِذُونَ تِمْثالًا عَلى صُورَتِهِ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فالَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ ظَنُّوا أنَّ آباءَهم كانُوا يَعْبُدُونَها فاشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها لِتَقْلِيدِ الآباءِ، أوْ لَعَلَّ هَذِهِ الأسْماءَ الخَمْسَةَ وهي: ودٌّ، وسُواعٌ، ويَغُوثُ، ويَعُوقُ، ونَسْرٌ، أسْماءُ خَمْسَةٍ مِن أوْلادِ آدَمَ، فَلَمّا ماتُوا قالَ إبْلِيسُ لِمَن بَعْدَهم: لَوْ صَوَّرْتُمْ صُوَرَهم فَكُنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ، فَفَعَلُوا فَلَمّا ماتَ أُولَئِكَ قالَ لِمَن بَعْدَهم: إنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهم فَعَبَدُوهم، ولِهَذا السَّبَبِ نَهى الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ أوَّلًا، ثُمَّ أذِنَ فِيها عَلى ما يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «كُنْتُ نَهَيْتُكم عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ ألا فَزُورُوها فَإنَّ في زِيارَتِها تَذْكِرَةً» .

السّادِسُ: الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى جِسْمٌ، وإنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْتِقالُ والحُلُولُ،