< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


بِمَجْنُونٍ، وهو خَمْسُ آياتٍ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ»، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وأوَّلُ ما نَزَلَ قَوْلُهُ:﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ (الأعْلى: ١) وهَذِهِ الآيَةُ هي الثّانِيَةُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: (أنْتَ) هو اسْمُ (ما) و(بِمَجْنُونٍ) الخَبَرُ، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كَلامٌ وقَعَ في البَيْنِ والمَعْنى انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ كَما يُقالُ: أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، وأنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ لَسْتَ بِمَجْنُونٍ، وأنْتَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ فَهِمٌ، وأنْتَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لَسْتَ بِفَقِيرٍ، ومَعْناهُ أنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ المَحْمُودَةَ إنَّما حَصَلَتْ، والصِّفَةُ المَذْمُومَةُ إنَّما زالَتْ بِواسِطَةِ إنْعامِ اللَّهِ ولُطْفِهِ وإكْرامِهِ، وقالَ عَطاءٌ وابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ عَلَيْكَ بِالإيمانِ والنُّبُوَّةِ، وهو جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (الحِجْرِ: ٦) واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ هَهُنا بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ.

الصِّفَةُ الأُولى: نَفْيُ الجُنُونِ عَنْهُ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَرَنَ بِهَذِهِ الدَّعْوى ما يَكُونُ كالدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى صِحَّتِها؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى كانَتْ ظاهِرَةً في حَقِّهِ مِنَ الفَصاحَةِ التّامَّةِ والعَقْلِ الكامِلِ والسِّيرَةِ المَرْضِيَّةِ، والبَراءَةِ مِن كُلِّ عَيْبِ، والِاتِّصافِ بِكُلِّ مَكْرُمَةٍ، وإذا كانَتْ هَذِهِ النِّعَمُ مَحْسُوسَةً ظاهِرَةً فَوُجُودُها يُنافِي حُصُولَ الجُنُونِ، فاللَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ لِتَكُونَ جارِيَةً مَجْرى الدَّلالَةِ اليَقِينِيَّةِ عَلى كَوْنِهِمْ كاذِبِينَ في قَوْلِهِمْ لَهُ: إنَّهُ مَجْنُونٌ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ وفي المَمْنُونِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، أنَّ المَعْنى غَيْرُ مَنقُوصٍ ولا مَقْطُوعٍ يُقالُ: مَنَّهُ السَّيْرُ أيْ أضْعَفَهُ، والمَنِينُ الضَّعِيفُ ومَنَّ الشَّيْءَ إذا قَطَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:

صفحة ٧١

غُبْسٌ كَواسِبُ ما يُمَنُّ طَعامُها

يَصِفُ كِلابًا ضارِيَةً، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (هُودٍ: ١٠٨) .

والقَوْلُ الثّانِي، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ: إنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ عَلَيْكَ بِسَبَبِ المِنَّةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ في تَقْرِيرِ هَذا الوَجْهِ: إنَّهُ غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْكَ؛ لِأنَّهُ ثَوابٌ تَسْتَوْجِبُهُ عَلى عَمَلِكَ، ولَيْسَ بِتَفَضُّلٍ ابْتِداءً، والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهُ؛ لِأنَّ وصْفَهُ بِأنَّهُ أجْرٌ يُفِيدُ أنَّهُ لا مِنَّةَ فِيهِ، فالحَمْلُ عَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ كالتَّكْرِيرِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الأجْرَ عَلى أيِّ شَيْءٍ حَصَلَ ؟ قالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ إنَّ لَكَ عَلى احْتِمالِ هَذا الطَّعْنِ والقَوْلِ القَبِيحِ أجْرًا عَظِيمًا دائِمًا، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ إنَّ لَكَ في إظْهارِ النُّبُوَّةِ والمُعْجِزاتِ في دُعاءِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ وفي بَيانِ الشَّرْعِ لَهم، هَذا الأجْرَ الخالِصَ الدّائِمَ، فَلا تَمْنَعْكَ نِسْبَتُها إيّاكَ إلى الجُنُونِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِهَذا المُهِمِّ العَظِيمِ، فَإنَّ لَكَ بِسَبَبِهِ المَنزِلَةَ العالِيَةَ عِنْدَ اللَّهِ.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا كالتَّفْسِيرِ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ وتَعْرِيفٌ لِمَن رَماهُ بِالجُنُونِ بِأنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ وخَطَأٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الأخْلاقَ الحَمِيدَةَ والأفْعالَ المَرْضِيَّةَ كانَتْ ظاهِرَةً مِنهُ، ومَن كانَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الأخْلاقِ والأفْعالِ لَمْ يَجُزْ إضافَةُ الجُنُونِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ أخْلاقَ المَجانِينِ سَيِّئَةٌ، ولَمّا كانَتْ أخْلاقُهُ الحَمِيدَةُ كامِلَةً لا جَرَمَ وصَفَها اللَّهُ بِأنَّها عَظِيمَةٌ؛ ولِهَذا قالَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ (ص: ٨٦) أيْ لَسْتُ مُتَكَلِّفًا فِيما يَظْهَرُ لَكم مِن أخْلاقِي؛ لِأنَّ المُتَكَلِّفَ لا يَدُومُ أمْرُهُ طَوِيلًا بَلْ يَرْجِعُ إلى الطَّبْعِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّما وصَفَ خُلُقَهُ بِأنَّهُ عَظِيمٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾(الأنْعامِ: ٩٠) وهَذا الهُدى الَّذِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا بِالِاقْتِداءِ بِهِ لَيْسَ هو مَعْرِفَةَ اللَّهِ لِأنَّ ذَلِكَ تَقْلِيدٌ وهو غَيْرُ لائِقٍ بِالرَّسُولِ، ولَيْسَ هو الشَّرائِعَ؛ لِأنَّ