< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah061
As-Saff (61)
The Ranks, madinah, 14 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
المُرادُ مِنَ التَّسْبِيحِ، التَّسْبِيحَ بِلِسانِ الحالِ مُطْلَقًا، أمّا إذا كانَ المُرادُ هو التَّسْبِيحَ المَخْصُوصَ فالبَعْضُ يُوصَفُ كَذا، فَلا يَكُونُ كَما ذَكَرْتُمْ.
الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”لِمَ“ هي لامُ الإضافَةِ داخِلَةٌ عَلى ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ كَما دَخَلَ عَلَيْها غَيْرُها مِن حُرُوفِ الجَرِّ في قَوْلِكَ: بِمَ وفِيمَ وعَمَّ ومِمَّ، وإنَّما حُذِفَتِ الألِفُ لِأنَّ ما والحَرْفَ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وقَدْ وقَعَ اسْتِعْمالُها في كَلامِ المُسْتَفْهِمِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ واقِعًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ والِاسْتِفْهامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وهو عالِمٌ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، فَنَقُولُ: هَذا إذا كانَ المُرادُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ طَلَبَ الفَهْمِ، أمّا إذا كانَ المُرادُ إلْزامَ مَن أعْرَضَ عَنِ الوَفاءِ بِما وعَدَ أوْ أنْكَرَ الحَقَّ وأصَرَّ عَلى الباطِلِ فَلا.
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾
والمَقْتُ هو البُغْضُ، ومَنِ اسْتَوْجَبَ مَقْتَ اللَّهِ لَزِمَهُ العَذابُ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ المَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ وأبْلَغُهُ وأفْحَشُهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: ”أنْ“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ و: ”مَقْتًا“ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، والمَعْنى: كَبُرَ قَوْلُكم ما لا تَفْعَلُونَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: (كَبُرَتْ كَلِمَةً) [الكهف: ٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُقاتَلُونَ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ يَقْتُلُونَ أيْ يَصُفُّونَ صَفًّا، والمَعْنى يَصُفُّونَ أنْفُسَهم عِنْدَ القِتالِ كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ، قالَ الفَرّاءُ: مَرْصُوصٌ بِالرَّصاصِ، يُقالُ: رَصَصْتُ البِناءَ إذا لاءَمْتُ بَيْنَهُ وقارَبْتُ حَتّى يَصِيرَ كَقِطْعَةٍ واحِدَةٍ، وقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: رَصَصْتُ البِناءَ إذا ضَمَمْتَهُ، والرَّصُّ انْضِمامُ الأشْياءِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُوضَعُ الحَجْرُ عَلى الحَجْرِ ثُمَّ يُرَصُّ بِأحْجارٍ صِغارٍ ثُمَّ يُوضَعُ اللَّبِنُ عَلَيْهِ
صفحة ٢٧١
فَتُسَمِّيهِ أهْلُ مَكَّةَ المَرْصُوصَ، وقالَ أبُو إسْحاقَ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُحِبُّ مَن يَثْبُتُ في الجِهادِ ويَلْزَمُ مَكانَهُ كَثُبُوتِ البَنّاءِ المَرْصُوصِ، وقالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أنْ يَسْتَوِيَ شَأْنُهم في حَرْبِ عَدُوِّهِمْ حَتّى يَكُونُوا في اجْتِماعِ الكَلِمَةِ، ومُوالاةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كالبُنْيانِ المَرْصُوصِ، وقِيلَ: ضَرَبَ هَذا المَثَلَ لِلثَّباتِ، يَعْنِي إذا اصْطَفُّوا ثَبَتُوا كالبُنْيانِ المَرْصُوصِ الثّابِتِ المُسْتَقِرِّ، وقِيلَ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى فَضْلِ القِتالِ راجِلًا، لِأنَّ العَرَبَ يَصْطَفُّونَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، ثُمَّ المَحَبَّةُ في الظّاهِرِ عَلى وجْهَيْنِ:أحَدُهُما: الرِّضا عَنِ الخَلْقِ.
وثانِيها: الثَّناءُ عَلَيْهِمْ بِما يَفْعَلُونَ، ثُمَّ ما وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ﴾ نَقُولُ تِلْكَ الآيَةُ مَذَمَّةُ المُخالِفِينَ في القِتالِ وهُمُ الَّذِينَ وعَدُوا بِالقِتالِ ولَمْ يُقاتِلُوا، وهَذِهِ الآيَةُ مَحْمَدَةُ المُوافِقِينَ في القِتالِ وهُمُ الَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وبالَغُوا فِيهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾
مَعْناهُ اذْكُرْ هَذِهِ القِصَّةَ، وإذْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ أيْ حِينِ قالَ لَهم: ﴿تُؤْذُونَنِي﴾ وكانُوا يُؤْذُونَهُ بِأنْواعِ الأذى قَوْلًا وفِعْلًا، فَقالُوا: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾، ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ وقِيلَ: قَدْ رَمَوْهُ بِالأُدْرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ تُؤْذُونَنِي عالِمِينَ عِلْمًا قَطْعِيًّا أنِّي رَسُولُ اللَّهِ وقَضِيَّةُ عِلْمِكم بِذَلِكَ مُوجِبَةٌ لِلتَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا زاغُوا﴾ أيْ مالُوا إلى غَيْرِ الحَقِّ ﴿أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ أمالَها عَنِ الحَقِّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ مُقاتِلٌ: ”﴿زاغُوا﴾“ أيْ عَدَلُوا عَنِ الحَقِّ بِأبْدانِهِمْ ﴿أزاغَ اللَّهُ﴾ أيْ أمالَ اللَّهُ قُلُوبَهم عَنِ الحَقِّ وأضَلَّهم جَزاءَ ما عَمِلُوا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ