< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


في حَقائِقِ الأشْياءِ وجِهاتِ دَلالَتِها لِيُعْرَفَ بِالنَّظَرِ فِيها شَيْءٌ آخَرُ مِن جِنْسِها.

وفِي قَوْلِهِ ﴿ياأُولِي الأبْصارِ﴾ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ يا أهْلَ اللُّبِّ والعَقْلِ والبَصائِرِ.

والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: ﴿ياأُولِي الأبْصارِ﴾ يا مَن عايَنَ تِلْكَ الواقِعَةَ المَذْكُورَةَ.

صفحة ٢٤٦

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ . مَعْنى الجَلاءِ في اللُّغَةِ: الخُرُوجُ مِنَ الوَطَنِ والتَّحَوُّلُ عَنْهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ ”لَوْلا“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ، فَيَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ الجَلاءِ عَدَمُ التَّعْذِيبِ في الدُّنْيا، لَكِنَّ الجَلاءَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّعْذِيبِ، فَإذًا يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ الجَلاءِ عَدَمُهُ، وهو مُحالٌ. قُلْنا: مَعْناهُ: ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ كَما فُعِلَ بِإخْوانِهِمْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ فَهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ وغَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ، إذْ لَوْ كانَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ لَزِمَ أنْ لا يُوجَدَ؛ لِما بَيَّنّا أنَّ لَوْلا تَقْتَضِي انْتِفاءَ الجَزاءِ لِحُصُولِ الشَّرْطِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فَهو يَقْتَضِي أنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ التَّخْرِيبِ هو مُشاقَّةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَتِ المُشاقَّةُ عِلَّةً لِهَذا التَّخْرِيبِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: أيْنَما حَصَلَتْ هَذِهِ المُشاقَّةُ حَصَلَ التَّخْرِيبُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، قُلْنا: هَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ العِلَّةِ المَنصُوصَةِ لا يَقْدَحُ في صِحَّتِها.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الزَّجْرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأوْلى: ﴿مِن لِينَةٍ﴾ بَيانٌ لِما قَطَعْتُمْ، ومَحَلُّ ”ما“ نُصِبَ بِـ”قَطَعْتُمْ“، كَأنَّهُ قالَ: أيُّ شَيْءٍ قَطَعْتُمْ، وأنَّثَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ إلى ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ تَرَكْتُمُوها﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى اللِّينَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اللِّينَةُ: النَّخْلَةُ ما لَمْ تَكُنْ عَجْوَةً أوْ بَرْنِيَّةً، وأصْلُ لِينَةٍ لِوْنَةٌ، فَذَهَبَتِ الواوُ لِكَسْرَةِ اللّامِ، وجَمْعُها ألْوانٌ، وهي النَّخْلُ كُلُّهُ سِوى البَرْنِيِّ والعَجْوَةِ، وقالَ بَعْضُهم: اللِّينَةُ النَّخْلَةُ الكَرِيمَةُ، كَأنَّهُمُ اشْتَقُّوها مِنَ اللِّينِ، وجَمْعُها لِينٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ خُصَّتِ اللِّينَةُ بِالقَطْعِ ؟ قُلْنا: إنْ كانَتْ مِنَ الألْوانِ فَلْيَسْتَبْقُوا لِأنْفُسِهِمُ العَجْوَةَ والبَرْنِيَّةَ، وإنْ كانَتْ مِن كِرامِ النَّخْلِ فَلِيَكُونَ غَيْظُ اليَهُودِ أشَدَّ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”قَوْمًا عَلى أُصُلِها“ وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ أصْلٍ؛ كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، واكْتُفِيَ فِيهِ بِالضَّمَّةِ عَنِ الواوِ، وقُرِئَ ”قائِمًا عَلى أُصُولِهِ“، ذَهابًا إلى لَفْظِ ”ما“، وقَوْلُهُ: ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: قَطْعُها بِإذْنِ اللَّهِ وبِأمْرِهِ ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ أيْ: ولِأجْلِ إخْزاءِ الفاسِقِينَ، أيِ اليَهُودِ، أذِنَ اللَّهُ في قَطْعِها.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ أمَرَ أنْ يُقْطَعَ نَخْلُهم ويُحْرَقُ، قالُوا: يا مُحَمَّدُ قَدْ كُنْتَ تَنْهى عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ فَما بالُ قَطْعِ النَّخْلِ وتَحْرِيقِها ؟ وكانَ في أنْفُسِ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ إنَّما أذِنَ في ذَلِكَ حَتّى يَزْدادَ غَيْظُ الكُفّارِ، وتَتَضاعَفَ حَسْرَتُهم بِسَبَبِ نَفاذِ

صفحة ٢٤٧

حُكْمِ أعْدائِهِمْ في أعَزِّ أمْوالِهِمْ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ حُصُونَ الكَفَرَةِ ودِيارَهم لا بَأْسَ أنْ تُهْدَمَ وتُحْرَقَ وتُغْرَقَ وتُرْمى بِالمَجانِيقِ، وكَذَلِكَ أشْجارُهم لا بَأْسَ بِقَلْعِها مُثْمِرَةً كانَتْ أوْ غَيْرَ مُثْمِرَةٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَطَعُوا مِنها ما كانَ مَوْضِعًا لِلْقِتالِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: رُوِيَ أنَّ رَجُلَيْنِ كانا يَقْطَعانِ، أحَدُهُما العَجْوَةَ والآخَرُ اللَّوْنَ، فَسَألَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ هَذا: تَرَكْتُها لِرَسُولِ اللَّهِ، وقالَ هَذا: قَطَعْتُها غَيْظًا