< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah059
Al-Hashr (59)
The Exile, madinah, 24 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
مَعَ رَسُولِ اللَّهِ هي بِعَيْنِها نَفْسُ المُعامَلَةِ مَعَ اللَّهِ، فَإنْ قِيلَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ: ظَنُّوا أنَّ حُصُونَهم تَمْنَعُهم أوْ مانِعَتُهم وبَيْنَ النَّظْمِ الَّذِي جاءَ عَلَيْهِ، قُلْنا: في تَقْدِيمِ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ دَلِيلٌ عَلى فَرْطِ وُثُوقِهِمْ بِحَصانَتِها ومَنعِها إيّاهم، وفي تَصْيِيرِ ضَمِيرِهِمُ اسْمًا وإسْنادِ الجُمْلَةِ إلَيْهِ دَلِيلٌ عَلى اعْتِقادِهِمْ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم في عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ لا يُبالُونَ بِأحَدٍ يَطْمَعُ في مُنازَعَتِهِمْ، وهَذِهِ المَعانِي لا تَحْصُلُ في قَوْلِكَ: وظَنُّوا أنَّ حُصُونَهم تَمْنَعُهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتاهُمُ﴾ عائِدٌ إلى اليَهُودِ، أيْ فَأتاهم عَذابُ اللَّهِ وأخَذَهم مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المُؤْمِنِينَ، أيْ فَأتاهم نَصْرُ اللَّهِ وتَقْوِيَتُهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، ومَعْنى: لَمْ يَحْتَسِبُوا، أيْ لَمْ يَظُنُّوا، ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ، وذَلِكَ بِسَبَبِ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: قَتْلُ رَئِيسِهِمْ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ عَلى يَدِ أخِيهِ غِيلَةً، وذَلِكَ مِمّا أضْعَفَ قُوَّتَهم، وفَتَّتَ عَضُدَهم، وفَلَّ مِن شَوْكَتِهِمْ.
والثّانِي: بِما قَذَفَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ﴾ لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ بِاتِّفاقِ جُمْهُورِ العُقَلاءِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ بابَ التَّأْوِيلِ مَفْتُوحٌ، وأنَّ صَرْفَ الآياتِ عَنْ ظَواهِرِها بِمُقْتَضى الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ جائِزٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”فَآتاهُمُ اللَّهُ“ أيْ فَآتاهُمُ الهَلاكُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لا تَدْفَعُ ما بَيَّنّاهُ مِن وُجُوهِ التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لا تَدْفَعُ القِراءَةَ الأُولى، فَإنَّها ثابِتَةٌ بِالتَّواتُرِ، ومَتى كانَتْ ثابِتَةً بِالتَّواتُرِ لا يُمْكِنُ دَفْعُها، بَلْ لا بُدَّ فِيها مِنَ التَّأْوِيلِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الرُّعْبُ: الخَوْفُ الَّذِي يَسْتَوْعِبُ الصَّدْرَ، أيْ يَمْلَؤُهُ، وقَذْفُهُ إثْباتُهُ فِيهِ، وفِيهِ قالُوا في صِفَةِ الأسَدِ: مُقَذَّفٌ، كَأنَّما قُذِّفَ بِاللَّحْمِ قَذْفًا؛ لِاكْتِنازِهِ وتَداخُلِ أجْزائِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى قَوْلِنا مِن أنَّ الأُمُورَ كُلَّها لِلَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ كانَ مِنَ اللَّهِ، ودَلَّتْ عَلى أنَّ ذَلِكَ الرُّعْبَ صارَ سَبَبًا في إقْدامِهِمْ عَلى بَعْضِ الأفْعالِ، وبِالجُمْلَةِ فالفِعْلُ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ داعِيَةٍ مُتَأكِّدَةٍ في القَلْبِ، وحُصُولُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ، فَكانَتِ الأفْعالُ بِأسْرِها مُسْنَدَةً إلى اللَّهِ بِهَذا الطَّرِيقِ.قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: ”يُخَرِّبُونَ“ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ الباقُونَ: ”يُخْرِبُونَ“ خَفِيفَةً، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَقُولُ: الإخْرابُ أنْ يُتْرَكَ الشَّيْءُ خَرابًا، والتَّخْرِيبُ: الهَدْمُ، وبَنُو النَّضِيرِ خُرِّبُوا وما أُخْرِبُوا. قالَ المُبَرِّدُ: ولا أعْلَمُ لِهَذا وجْهًا، ويُخْرِبُونَ هو الأصْلُ خَرِبَ المَنزِلُ، وأخْرَبَهُ صاحِبُهُ، كَقَوْلِهِ: عَلِمَ وأعْلَمَهُ، وقامَ وأقامَهُ، فَإذا قُلِبَ يُخْرِبُونَ مِنَ التَّخْرِيبِ، فَإنَّما هو تَكْثِيرٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ بُيُوتًا تَصْلُحُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُما يَتَعاقَبانِ في الكَلامِ، فَيَجْرِي كُلُّ واحِدٍ مَجْرى الآخَرِ، نَحْوَ فَرَّحْتُهُ وأفْرَحْتُهُ، وحَسَّنَهُ اللَّهُ وأحْسَنَهُ، وقالَ الأعْشى:
وأخْرَبْتُ مِن أرْضِ قَوْمٍ دِيارًا
وقالَ الفَرّاءُ: ”يُخَرِّبُونَ“بِالتَّشْدِيدِ يَهْدِمُونَ، وبِالتَّخْفِيفِ يُخْرِبُونَ مِنها ويَتْرُكُونَها.المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في بَيانِ أنَّهم كَيْفَ كانُوا يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهم لَمّا أيْقَنُوا بِالجَلاءِ، حَسَدُوا المُسْلِمِينَ أنْ يَسْكُنُوا مَساكِنَهم ومَنازِلَهم، فَجَعَلُوا يُخْرِبُونَها مِن داخِلٍ، والمُسْلِمُونَ مِن خارِجٍ.
وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ المُنافِقِينَ دَسُّوا إلَيْهِمْ أنْ لا يَخْرُجُوا، ودَرِبُوا عَلى الأزِقَّةِ وحَصَّنُوها، فَنَقَضُوا بُيُوتَهم وجَعَلُوها كالحُصُونِ عَلى أبْوابِ الأزِقَّةِ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُخْرِبُونَ سائِرَ الجَوانِبِ.
وثالِثُها: أنَّ المُسْلِمِينَ إذا ظَهَرُوا عَلى